شعار قسم مدونات

الوجع الاقتصادي.. هكذا توحد اللبنانيون بوجه السلطة

blogs لبنان

إنها انتفاضة شعبية، وحدها وجع المعاناة وضغوط المشكلات، ووحدها الغضب الثوري تجاه الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وانتشار الفساد. المعاناة متعددة الجوانب هي التي دفعت الشارع اللبناني للخروج إلى الشوارع والساحات، للتعبير عن غضبه بطريقة سلمية، فلم يعد المواطن قادراً على الصمود في وجه التحديات المعيشية وسط افتقاده لأبسط مقومات الحياة والرعاية التي تكفلها الدولة من طبابة وإيجاد فرص عمل وتأمين الدعم المعيشي والاقتصادي، ولم يعد ممكناً تجاهل هذه المعاناة، أو الاستخفاف بإرادة ورغبة الشعب اللبناني في تحقيق التغيير الذي منعه نظام المحاصصة، في ظل تركيبة طائفية منذ استقلال لبنان.

يعيش المواطن اللبناني أزمة اقتصادية قديمة جديدة خانقة، لكنها تتفاقم وتزداد سوءاً، نتيجة الفساد المستشري في جميع مؤسساته تقريباً، وارتفاع الدين العام، وفقدان الدولار من الأسواق، وتضخم الأسعار، تزامن ذلك مع مناقشة الحكومة مشروع الموازنة العامة الذي تضمن اقتراحات وقرارات أربكت المشهد العام في لبنان. انطلق حراك الشارع اللبناني، على خلفية قضايا مطلبية مرتبطة بعناوين، ذات صلة مباشرة بتردي الأحوال الاقتصادية للمواطنين، وتراجع مستوى وحجم الخدمات المقدمة لهم، مقابل إفراط غير مسبوق في التوسع بفرض ضرائب جديدة، على الاتصالات المجانية عبر الهاتف الخلوي، وذلك بهدف توفير إيرادات جديدة لخزينة الدولة، وعلى كافة السلع والخدمات، إلى جانب زيادة أسعار الماء والكهرباء والخبز والمحروقات، وجميعها خدمات وسلع لا بدائل لها إلا في إطار ما تقدمه الحكومات، وتتزامن مع فشل الحكومات المشكلة على أساس توافقات حزبية، في تحقيق إصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية.

من المؤكَّد أن الحراك الشعبي سيحقق بالنهاية العديد من الإنجازات، فكما استقالت الحكومة، سيجري العمل على إجراءات انتخابات مبكرة وفقا لنظام انتخابي جديد، وإلغاء بعض الضرائب وربط الضرائب تصاعدياً بالدخل

كثيرة هي المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي أدت إلى تظاهرات واحتجاجات شعبية غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، عنوانها الرئيس إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، وتقودها، على خلاف العادة، الطبقات المتوسطة والفقيرة، والتي كانت عابرة للطوائف والمناطق، ومتفاوتة في أعمار المشاركين فيها والطبقات الاجتماعية، وهذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها المظاهرات من كافة المدن والمناطق اللبنانية بهذا الشكل. لا شك أن الملف الاقتصادي استطاع أن يوحّد اللبنانيين حوله بشكل غير مسبوق، على الرغم من الانقسام السياسي الموجود بين النخب والأحزاب، إذ ينظر اللبنانيون على اختلاف تنوعهم السياسي والطائفي إلى أن هناك حالة فساد كبيرة موجودة في إدارات ومؤسسات الدولة، سببها المصالح الفئوية للقوى السياسية المختلفة، نظراً لتركيبته الديموغرافية وطريقة إدارة شؤون البلاد بالمحاصصة بين الطوائف المختلفة.

لكن من أهم ما يميز احتجاجات لبنان أنها تتم تحت عَلم لبنان دون غيره من الأعلام الحزبية أو الطائفية، وهذا الأمر في حد ذاته يعد انجازاً تاريخياً، لأسباب تكمن في طبيعة التركيبة السكانية المعقدة بالبلاد. والأهم أيضاً أن الحراك نفسه لا رأس ولا برنامج محدداً له، وبالرغم من أن ذلك من مزاياه المهمة في البداية، إلا أنه إن لم تتصدر أي قيادات شعبية حقيقية، تعبر عن هموم الجماهير وتلقى قبولهم، لكن الواضح، أن هناك وعياً سياسياً جديداً يتشكل في لبنان، ويؤسس لهوية وطنية جديدة، وتطلّعاً إلى نظام جديد يطوي صفحة الحرب الأهلية واتفاق الطائف الذي أنتج نظامًا سياسياً لم يعد قابلًا للحياة، وأيضاَ لابد من الاشارة إلى التنظيم والوجه الحضاري والوعي الذي عكسته الاحتجاجات الشعبية في لبنان طيلة الأيام الماضية، يمثل نقطة مضيئة في إمكانية تحقيق مطالب الشعب دون الانزلاق إلى مخاطر المواجهات مع الجيش وقوات الأمن، وما قد يستتبع ذلك من غياب تدريجي لتلك الصورة الرائعة التي عكستها التظاهرات والتي شهدت تفاعلاً كبيراً من الشعوب العربية على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.

وأخيراً، من المؤكَّد أن الحراك الشعبي سيحقق بالنهاية العديد من الإنجازات، فكما استقالت الحكومة، سيجري العمل على إجراءات انتخابات مبكرة وفقا لنظام انتخابي جديد، وإلغاء بعض الضرائب وتخفيض الجمارك، وربط الضرائب تصاعدياً بالدخل، وفتح عمليات تحقيق في بعض قضايا الفساد الكبرى، والمال المنهوب، وتحسين نسبي في مستوى الخدمات ووضع أسس جديدة للانتخاب تتجاوز، ولو جزئياً، لتعطي فرصة لإنتاج أسس أفضل للدولة الحديثة، إلا أن ما يمكن أن يحققه هذا الحراك سياسياً، في المدى المنظور، قد يؤسّس لمرحلة جديدة، تطرح حدود ومفاهيم التغيير الجذري المنشود، بما في ذلك طبيعة الحكم الطائفي في لبنان، وكيفية الوصول إلى دولة ديمقراطية، تحكمها قوانين وقيم المواطنة، وليس الانتماء الطائفي، وإشاعة الطمأنينة والاستقرار، لاستئناف الحياة الطبيعية في البلاد. لذلك يحتاج لبنان إلى سياسيين معتدلين حقاً، يستطيعون تلبية مطالب شعبهم المحقة، ويكونون على قدر من الكفاءة والمسؤولية والنزاهة.