شعار قسم مدونات

الطريق إلى ثورة أكتوبر.. قراءة في المشهد العراقي

blogs العراق

بعد موجة احتجاجات عارمة اجتاحت بغداد وعدد من محافظات الجنوب في واحد أكتوبر من الشهر المنصرم، استمرت لمدة ستة أيام، وبسبب نتيجة القمع القوية التي تعرض لها المتظاهرون من القناصة ومكافحة الشغب في ساحة التحرير، توقفت المتظاهرات ورجع الشباب إلى منازلهم، بعد أن وصل عدد الشهداء إلى ١٣٥ شخصاً معظمهم قتلوا نتيجة القنص، وآلاف المصابين والجرحى، انتهت الجولة الأولى، وخرج رئيس الوزراء يعد الناس بالإصلاحات والتغيير، متناسياً أنه أحد أعمدة الفساد في البلاد، ولكن كحال الطغاة في العالم يتشبث الرئيس بالسلطة لآخر لحظة من حياته، يتوارثها أهله من بعده جيلاً بعد جيل، يتسابقون في الفساد وإذلال العباد، انتهت الجولة الأولى، وظن الجميع أن الحكومة قد كسبت الرهان وانتصرت على روح الثورة في قلوب الشباب.

في الحرب مثلها في ثورات التغيير، لا يتحقق النصر في الجولة الأولى إلا قليلاً، وإذا حدث من الجولة فاعلم أن ثمة حراك ناعم مستمر حدث قبله بسنوات، أعلن الجمهور عن جولته القادمة في ٢٥/أكتوبر، وتحديداً يوم الجمعة، يوم التغيير في العالم، وعلى غير عادة العراق في الثورات والانقلابات، فمعروف أن تموز العراق مليءٌ بالتغيير، ولكن تشرين قلب المعادلة على السلطان، وأعلن الشباب عن عزمهم للنزول إلى الشارع، فوطنهم المسلوب لما يقرب عقدين من الزمن، أصبح لازما أن يعود لأهله وشبابه.

ستمرت الاحتجاجات فدخل على خطها طلبة المدارس والجامعات، واكتسحت الشوارع القمصان البيض في كل شوارع العاصمة ومحافظات الجنوب، سيل أبيض يهتف في حب العراق وتأييد مطالب المتظاهرين

تمضي الأيام مسرعة في ربيع العراق القادم، وإذا بنا نكون قاب قوسين أو أدنى من يوم الجمعة، مساء الخميس خرج رئيس الوزراء السيد عادل عبد المهدي، وأعلن عن تأييده لمطالب المتظاهرين وأعلن عن حزمة إصلاحات، غفل عنها هو والفراعنة الذين من قبله، مطالب الشعب الذي ينام على كنز من الذهب وخيرات متعددة، ضاعت في مهب الرياح بسبب عنجهية الحكام وسوء فعالهم، لم يحتوِ الخطاب على استقالة أو حل الحكومة أو إقالة البرلمان، خطاب لم يكن بمستوى طموح الجماهير ولا طموح بلدهم العراق. تحدث عبد المهدي عن المصابين والشهداء وكذلك عن القناصين المجهولين الذين وفدوا من المريخ إلى العراق، ليقوموا بقتل الشباب، وفتح ملف تحقيق في قضية قتل المتظاهرين، والملفات كثيرة بالعراق ولا سيما ملفات الموت والقتل، فكل من مرّ ليحكم العراق صاعداً إلى السلطة أو تاركا لها، لم يتركها إلا بعد شلال من الدم.

أنهى السلطان كلمته، وكان للشارع كلمة أخرى مختلفة، فساحة التحرير بانتظار روادها فهي على موعد معهم تنتظر قدومهم لتزدهي بأناشيد الحرية والكرامة، خرج المتظاهرون بالآلاف متوجهين صوب ساحة التحرير يرفعون أعلاماً عراقية بصدور عارية يبحثون عن وطنهم المسلوب، يريدون استرجاع العراق ممن سلبوه، مضتِ الجموع شباباً ونساء رجالاً وشيوخاً فتيانا وأطفالاً يتجمهرون في الشوارع بأهازيج وطنية وهتافات عراقية. في هذه المرة لم تقطع الحكومة وسائل الاتصالات ولم تعلن حظراً للتجوال، فكانتِ الصورة تصل من قلب الميادين إلى العالم أجمع، تنقل هتافات الأحرار في بلاد الرافدين، وتنقل لحمتهم ووحدتهم، فقد اعادت هذه المظاهرات لحمة العراق من جديد.

استمرت الحشود تتوافد، وقرر بعض الشباب التوجه صوب المنطقة الخضراء حيث يتربع السلطان وزبانيته، الذين فر معظمهم من مساء الخميس إلى محافظات الإقليم، وعلى جسر الجمهورية حدث اشتباك مع المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب التي نصبت جداراً كونكريتيا بينها وبين المتظاهرين، فكانت تضرب القنابل المسيلة للدموع صوب المتظاهرين فسقط العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى، فهب اصحاب العجلات الصغيرة أو ما يعرف في بغداد بالتكتك لإنقاذ الجرحى والمصابين، في موقف بطولي من أصحاب الدخل المحدود، لقد جسد أصحاب التكتك أعظم المواقف الإنسانية التي ستكتب على جدران العراق الحر، فوقفوا وقفة رجل واحد مع أهلهم وشبابهم، حتى أصبحت رمزاً ثوريا من رموز ثورة أكتوبر.

undefined

مضى اليوم الأول في التحرير فالمساء كما الصباح شباب ثائر على الفساد، يحب الحياة والبلاد، واستمرت مكافحة الشغب بإطلاق الغازات المسيلة للدموع صوب الجماهير، لم يثنِ عزم الشباب ولم تكل همتهم، فضلاً أن معظم المشاركين هم جيل ولد في سنة ٢٠٠٠م فهم لم يشاهدوا بطش صدام، بل تعاقب على حكمهم، الحكومات الإسلامية بشقيها الأبيض والأسود، جيل لم ير سوى الانفلات الأمني والقتل والمفخخات، فحياته مهددة للخطر لما يقرب من عقد ونصف، هذا الجيل الذي راهن الجميع على خنوعه، أثبت للجميع أن العبرة بالأفعال وليست بالأشكال، فسجدوا أروع رواية، وأجمل حكاية في ساحات الحرية.

استمرت الاحتجاجات فدخل على خطها طلبة المدارس والجامعات، واكتسحت الشوارع القمصان البيض في كل شوارع العاصمة ومحافظات الجنوب، سيل أبيض يهتف في حب العراق وتأييد مطالب المتظاهرين، خرج الجميع ذكورا وإناثا، واعلنت نقابة المعلمين عن إضراب عن الدوام الرسمي في جميع أنحاء البلاد، إلى أن تنفذ مطالب الجماهير، صرح الرئيس أنه لا يجب أن يدس في المظاهرات الأطفال والمراهقين، متناسيا أن هؤلاء لم يدرسوا في مدارس ولا جامعات تليق بهم، وفي اليوم الثاني خرجت الجماهير من المدارس بأعداد اكثر من لليوم الأول، يعلن السلطان والشعب ينفذ القرارات على طريقته، اصدر مساء الإثنين حظرا للتجوال فخرج الناس محتفلين بكسر الحظر، وهكذا استمرت الاحتجاجات، وقد تكاتف الجميع مع المتظاهرين ما بين تقديم طعام وإسعافات من المواطنين، بشكل مستمر.

ما زالت المظاهرات مستمرة إلى اللحظة هذه، والمطالب واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، رحيل الحكومة، وحل البرلمان، وتحجيم دور الميليشيات، والأحزاب الإسلامية الفاسدة بشقيها السني والشيعي، وتحجيم دور المرجعيات الدينية، وتحقيق في ملفات الفاسدين، وإحالتهم إلى القضاء، وتحسين المعيشة للمواطنين، والحفاظ على كرامة الإنسان العراقي. لقد سطر العراقيون بكل ألوانهم أروع صور الصمود والثبات، في وجه الحكومة الفاسدة، وهم يتطلعون جميعاً، لربيع العراق الحر، ربيع الحب والسلام والحرية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.