وفي ذكراك الثالثة.. هل ننساك يا دكتور كمال؟!

تمر اليوم، الثالث من أكتوبر، الذكرى الثالثة لمقتل الدكتور محمد كمال رحمه الله -نحسبه عند الله شهيدا ولا نزكيه على الله- وأكتب هذه الكلمات تذكرة لنفسي وغيري؛ بقائد ميداني جسور صنعته الأحداث على مهل، وسرعان ما طالته الأيدي الآثمة على غرة. قد لا يستطيع قلمي -بل لن يستطيع- أن يعبر عما بداخلي تجاه الدكتور القائد محمد كمال، فقد عرفته عن قرب لأكثر من ثلاث سنوات، فما رأيت منه إلا إخلاصاً لدعوته وتفانياً من أجلها، كان ذا همة عالية طالما أحرجتنا نحن الشباب، وكان لا يخشى في الله لومة لائم، كما كان متواضعاً جداً، هاشاً باشاً في وجوهنا، حنوناً عطوفاً علينا، كان يحبنا جدا ويحب أن يُقربنا منه ويحرص على التشاور معنا والاستماع لآرائنا، وكان دائماً ما يعجب بآراء الشباب ويُثني عليها.

 

عشت مع الشهيد القائد فحدثت بينه وبيني مواقف عديدة، منها؛ أنه وقبل الانقلاب بشهور قام بإجراء عملية قلب مفتوح، فزرته مع غيري؛ فحدثنا عن القلب؛ كعضو في الجسد، حديثا أبكانا جميعاً، ومن ساعتها عرفت أنه رقيق القلب. حدث الانقلاب، فتواصل مع المحافظات في أقل من شهر من أحداث الفض فكان نعم القائد والمعين، وكان كلما قابلني أتحفني بمشاعره الجياشة، وحضنني كثيراً. وفي لقاء جمع بيننا في يونيو 2015، برفقة آخرين، دار الحديث حول مشكلة الخلاف الداخلي التي كانت قد بدأت في الظهور -والتي أثرت في مجرى حياتي بشكل كامل فيما بعد- وقلت له يومها: "يا دكتور في وجهة نظري أنك ومن معك قد أديت ما عليك، وليتقبله الله، ومنعاً للانقسام فلتترك الراية لمن طلبوها"، فكان رده حاسماً حين قال: "أنا لم أتربَ في دعوتي ولا في بيتي على أن أترك المسؤولية التي وليتها إلا لمن جاء من خلال الشورى، فلنفّعل الشورى ولنختار قيادتنا"، ولكن هذه الردود وأمثالها أغضبت الآخرين الذين لم يتعودوا أن يُقال لهم هكذا. 

 

كان رحمه الله -من وجهة نظري- مجددا بحق؛ ولم يكن يوما داعيا لعنف أو إرهاب. وإنما أراد لهذه الدعوة إن تعود إلى مبادئها وأهدافها وسيرتها الأولى، فاتُهم بالعنف من قبل إخوانه قبل النظام

وظللنا مع آخرين ندعو القادة إلى التوافق والإنصات لصوت العقل، والاستماع لمن هم في الميدان، فقدمنا المبادرة تلو المبادرة فلم نجد من الدكتور كمال ومن معه إلا كل ترحاب بكل المبادرات، على عكس القيادات الأخرى الذين لم يستمعوا أو يناقشوا أي ممن قاموا بتقديم تلك المبادرات، ولذا كانت ترفض! كان معترفاً بخطئه، وقال لنا يوما: "نحن -يقصد نفسه ومكتب الإرشاد- كنا سبب في هذا الانقلاب الغاشم، وأعتقد أنه من الصعب أن نكون -نحن أنفسنا- سبباً في كسر هذا الانقلاب ودحره".

كان يحب الحديث والتشاور كثيراً مع الشباب، وقد تواصل معي مرة في الواحدة صباحا ومرة أخرى في الرابعة صباحا، فقلت له: ألا تنام يا دكتور؟! … فقال لي، ما كان يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم: "مضى عهد النوم يا خديجة"! لم يتحدث أمامي عن أحد من القادة إلا بكل خير، ولقد عرف يوماً بأن أحد القادة المعتقلين يقول عنه أقوالاً غير صحيحة، فكلفني برسالة منه لهذا القائد كلها حب ومودة، ولم يقل فيها إلا يا … جانبك الصواب. وسمع يوماً أن أحد القادة يقول عنه شيئاً غير صحيح، فرجانا أن نحضره له، وعندما لقيه حضنه كثيراً وقبّله على رأسه، وقال له: أتظن فيا كذا وكذا؟! فبكى وأبكانا جميعا.

 

طالبناه كثيرا بالهجرة فأبى إلا أن يكون وسط إخوانه في الميدان، فقد كان يحب الشهادة ويتمناها، وقد تأثر كثيراً بعد تصفية القادة بشقة السادس من أكتوبر! عندما قابلت -مع غيري- القيادات الأخرى من أجل لم الشمل كان هم بعضهم أن يُثبتوا لنا خطأ الدكتور كمال، وكنت أقول لهم، فلنترك الدكتور كمال ولنحرص على الدعوة، وعندما ظللت مُصراً على القيام بالمبادرة، أزالوني عن مسؤوليتي التي وليتها من خلال انتخابات نزيهة. وقرارهم هذا بشأني؛ كان بالنسبة لي فرجا من الله، فقد جعلني أعود إلى نفسي وأغيّر مجرى حياتي إلى ما أرى فيه الصواب لنفسي وديني ووطني.

كنت أتمنى تقبيل يده فيرفض فكان لي الشرف بأن أقبل جبهته؛ جبهته تلك التي تلقت رصاصة الغدر والخيانة من أُناس لا عهد لهم ولا ضمير، من أناس باعوا دينهم بدنيا غيرهم! كان رحمه الله -من وجهة نظري- مجددا بحق؛ ولم يكن يوما داعيا لعنف أو إرهاب. وإنما أراد لهذه الدعوة إن تعود إلى مبادئها وأهدافها وسيرتها الأولى، فاتُهم بالعنف من قبل إخوانه قبل النظام الغاشم الذي استغل تلك الاتهامات وضخمها فلفق له ولمن معه قضايا التشدد والإرهاب، فاستحل دماءه ودمائهم ولا يزال.

 

ألا فليعلم الجميع في مصر؛ حكومة ومحكومين، جماعات وأحزاب، قادة وأفرادا؛ أننا سنقف يوما أمام الله فرادى، لن ينفعنا قائد أو مسؤول، كبير كان أم صغير، كما أنه لن ينفعنا عذرنا حينها بأن نقول لله: أننا سمعنا قادتنا واستجبنا لهم. ألا فلنتب جميعا عما فعلنا!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة