لستُ أنا قاتلَ الدبلوماسي التركي!

السابع عشر من تموز من عامنا هذا التاسع عشر بعد الألفين، كان يوما يمكن وصفه بالسيء لثلاثة أطراف:

1- تركيا

2- إقليم كردستان

3- حزب العمال الكردستاني..

 

فبالنسبة لتركيا اغتيل أحد دبلومسييها وسط أربيل، ما اعتبرت هي ضربة موجعة لها.. أما الإقليم فكانت الضربة في عزّ النهار وقلب عاصمته أربيل كاسرة كل الحواجز الأمنية، وهي عملية لأول مرة تحدث، حيث لم يسجل قبل الآن اغتيال دبلوماسي أجنبي في أربيل، ما جعل الإقليم یشعر بإحراج أمام تركيا وأمام بقية الممثليات الدبلوماسية فيه.. أما لحزب العمال فرغم نفيه الحادث عن نفسه الصقت التهمة به واعتقل المنفذون الذين أعلنوا في اعترافاتهم بأنهم من حزب العمال وموجهون من قبله لتنفيذ العملية، سبّب هذا استهدافا مُركّزا على مواقعه من قبل الطائرات التركية، وقتل بعض من كوادره، واقتحام مخيم مخمور ووضع حصار عليه وفيه لاجئون كُرد من تركيا متعاطفون مع حزب العمال الكُردستاني.. لا أتحدث عن كل ذلك، فتم الحديث في وقته أثناء التغطية، وربما تجاوزت الأطراف الثلاثة قضية الاغتيال والآن هم يعيشون في مرحلة ما بعد ذلك.. ما يهمني الآن هو أن اليوم كان سيئا بالنسبة لي بالذات!

 

زميلي المراسل في قناة الحرة (عبد الحميد زيباري) مسك بي وأبعدني منهم.. كانت تلك هي المرة الثالثة التي أتعرض للضرب بشراسة من رجال قوى الأمن في كردستان على تغطياتي في الجزيرة

كل حدث يقع في أربيل أو في منطقة تغطيتنا التي هي كُردستان العراق، يدفعنا للخروج من مكاتبنا، والوصول لموقع الحدث، وهذا ما تم أيضا بعد اغتيال الدبلوماسي، ولكون الحادث كان قريبا من مكتب الجزيرة فقد وصلنا في الوقت المناسب بأجهزتنا من كاميرات وسيارة البث المباشر، وكامل طاقم المكتب من مراسلين ومصورين ومنسقين ومهندسين بل حتى موظفي الإدارة والحسابات، المكتب بكامل طاقمه وأنا على رأسهم.. تواصلت تغطيتنا للحادث حوالي الساعتين، كنت فيهما على الهواء على شاشة الجزيرة أتحدث عما حدث وعن ماذا سيؤدي والموقف بعد الحادثة..

 

الأجواء حول موقع الحدث كانت أمنية بحتة، والتوتر كان باديا على وجوه القوى الأمنية المنتشرة في الموقع، والتي وضعت طوقا أمنيا على موقع الحدث.. في الرابعة والعشرين دقيقة كنت أجهز نفسي من جديد للخروج بمباشر علی النشرة الخبرية‌ للجزیرة، وكانت زميلتنا ستير حكيم مكلفة بعمل تقرير ميداني سريع، وهي بحاجة إلى صور ومقابلات، قد رجعت بخفي حنين عندما منعت من التصوير من قبل قوة أمنية كانت قد وصلت للتو، عندما استفسرت عن هوية هذه القوة قيل لنا هي (قوة مكافحة الإرهاب)، ربما أن هذه القوة وصلت لأداء دور أنيط بها! وهو إبعاد الصحافة عن المكان والمنع من التغطية، فأول ما بدأت به هو إبعاد كل الصحفيين، توجهت نحو موقعنا الذي كان نوعا ما محصنا كوننا بقينا داخل حدود المجمع السكني (دريم ستي) ولم تخرج سيارة البث المباشر إلى الشارع العام، اكتفينا بمد الكيبلات الكهربائية المرتبطة بالكاميرا كي تصل للشارع العام المواجه لموقع الحادثة (مطعم هُقَباز)، لم تكن سيارة البث المباشر قد انقطعت عن الإشارة مع الأقمار الصناعية وذلك استعدادا للدخول من جديد في النشرة..

 

توجهت القوة الأمنية نحونا وطلبت منا مغادرة المكان فورا، استفسرت عن السبب؟! باعتبار سيارتنا كانت داخل حدود المجمع السكني وليست على الشارع العام، الذي وضع فيه الطوق الأمني، دون أن ترد القوة عن استفساري.. توجه نحوي مسؤولهم وهو برتبة نقيب حيث يحمل على كتفيه ثلاثة نجوم.. فقال من أنت؟!، أجبته: مراسل الجزيرة، فطلب هويتي.. أخذ هوية العمل وراجع مرجعه بعد أن قام باتصال هاتفي، ثم رجع وبدأ بضربة قوية على خدي، وقال: أنت ترفع يدك على رجال قوة مكافحة الإرهاب؟! هكذا لما رأت القوة المرافقة لهذا المسؤول أنه يضرب، ويقول بأنني رفعت يدي عليهم، فالكل توجه نحوي يضرب ويقول كيف ترفع يدك على قوة مكافحة الإرهاب! لقد صدق الشاعر عندما يقول:

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً .. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

 

من منطلق التبرير على ضربي، يتهمونني على أنني رفعت يدي عليهم.. لم أقل لهم لا لم أرفع يدي.. ولم أقل لهم لماذا تضربونني؟! لأن لدي خبرة في مثل هذه المواقف بأن تصمت ولا ترد لا بكلام ولا بفعل، فهو أفضل شيء.. لكن حتى هذا لم ينفع معهم، ربما استفزهم ذلك أيضا، فبدأ المسؤول يضربني بكلتا يديه يسرة ويمنة، عندما اشتد الضرب بدأت أحاول صد ضرباتهم على وجهي، فإذا بي اتلقى ضربات بالأقدام من الخلف من آخرين من رجال القوة المذكورة.. الضربات لا تعطي المجال لاستفسر ما الموجب من كل هذا، ولا لأعمل بعض الاتصالات مع الجهات العليا المسؤولة.. عندما لم يفد صمتي معهم، طلبت منهم أن يأخذوني، يعتقلوني، يسجنوني، فازدادوا غيضا، وغضبا واستمروا بالضرب.. سألت: هل أنا القاتل؟!، هل اعتقلتم القاتل بالفعل؟.. اذهبوا ابحثوا عن القاتل..

 

أنا الذي كنت مركزا للضرب في دائرة كاملة محيطة بي من رجال قوة مكافحة الإرهاب تلك، يضربونني من كل الجهات.. أنا هذا هو الذي عمل مقابلات للجزيرة مع كل قيادات العمل السياسي الكردي

زميلي المراسل في قناة الحرة (عبد الحميد زيباري) مسك بي وأبعدني منهم.. كانت تلك هي المرة الثالثة التي أتعرض للضرب بشراسة من رجال قوى الأمن في كردستان على تغطياتي في الجزيرة، هذه المرة من قوة مكافحة الإرهاب، قبلها عام 2011 في مدينة دهوك من قبل قوات الزيرفاني، ومرة أخرى من شرطة وحماية المحافظ داخل ملعب فرانسو حريري في أربيل، عندما كنت أغطي نهائي الدوري العراقي بين ناديي أربيل والنجف عام 2005.. لكن المرة الأخيرة هذه كانت أكثرها عنفا.. الأذى والإهانة التي تعرضت إليها من قبل هذه القوة، خاصة أنها جائت بعد أن عرفوا من أنا ولاي جهة أعمل، وأمام أعين الصحفيين، ولّد ذلك شبحا يطاردني بين الحين الآخر، أحيانا يناقشني وأخرى يعاكسني، ومرات يستهزيء بي، يضحك مني، لم استطع حتى الآن التخلص منه، يحاول أن يضعني في موقف النادم والكاره لسيرتي الذاتية:

 

– 25 سنة مع العمل الإعلامي في المؤسات المحلية والدولية، صحفيا، مديرا لتحرير مجلة، مديرا لإذاعة، صاحب امتياز لجريدة..

– 25 سنة من الدراسة وشهادات (ماجستير إعلام، بكالوريوس علوم، وبكالوريوس شريعة)

– أربع سنوات متطوعا في إلقاء محاضرات علمية في مدارس الإقليم..

– 20 سنة كاتبا وصحفيا عن القضية الكردية في الإعلام العربي.. مقالات.. مقابلات.. كتب..

– صانع لأشهر ثلاثة أفلام وثائقية عن القضية الكردية بثت في الجزيرة (دولة الجبل، ملا مصطفى البارزاني، القضية الكردية بعد 100 سنة من سايكس بيكو) هذه الأفلام تغطي تاريخ 100 عام من القضية الكردية وبنظرة كردية..

– أنا الذي كنت مركزا للضرب في دائرة كاملة محيطة بي من رجال قوة مكافحة الإرهاب تلك، يضربونني من كل الجهات.. أنا هذا هو الذي عمل مقابلات للجزيرة مع كل قيادات العمل السياسي الكردي بدءا بالبارزاني مرورا بالطالباني وغيرهم: نوشيروان مصطفى ومراد قريلان وباهوز آلدار، وآلدار خليل، وعلي قاضي وغيرهم الكثير.. أي ممثلي القضية الكردية في الدول الأربع (العراق، تركيا، إيران، سوريا) لارسال قضيتهم للمشاهد العربي..  

– كُتبٌ باللغة العربية (ملا مصطفى البارزاني قصة ثورة وعلاقة، الدولة بين كردستان وجنوب السودان، روايتين: الهروب إلى الحياة، وهروب نحو القمة) كلها ليست إلا إيصالا للقضية الكردية للقاريء العربي الذي يجهل هذه القضية..

 

يضحك الشبح ساخرا: "كل ذلك لم يمنع خدك من الضرب، أنت تُضرب كما مجرم أو تاجر مخدرات أو مدمنها أو قاتل، بل وكأنك قتلت الدبلوماسي فتم الكشف عن ذلك". أقول للشبح: "كفى، ليس إلى هذا الحد!"، يرد الشبح: "بل أكثر ألم تتعرض للضرب بعد أن تأكدت القوة من هويتك وبعد أن عرفت من أنت، وبعد أن راجعت مصادرها، وبعد أن لم تتفتهم وتستوعب سيرتك أعلاه..؟!". أرد على الشبح: كأنك تتهمني بأنني قتلت الدبلوماسي التركي؟! يرد الشبح: لست أنا بل هم.. كنت قبل أن يأتيني هذا الشبح المزعج، وبعد أن أشبعت ضربا، قلت لتلك القوة بأنني: "لست أنا قاتل الدبلوماسي التركي!".  



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة