جرائم الشرف بين الشرق والغرب!

لو بحثنا في مصادر التراث العربي والإسلامي، أو مصادر الفقه الإسلامي عن مصطلح " جريمة الشرف" Honor killing، فلن نجد له أثر فيها، فمثل هذه المصطلحات، هي في الحقيقة من المصطلحات الدخيلة على مجتمعاتنا وتراثنا، ظهرت في بداية الأمر في كتابات المستشرقين، فهي تسمية استشراقية غربية "وضعية" على مثل هذا النوع من القتل على حد تعبير الدكتور جوزيف مسعد، إذ كما قلنا، لا وجود لمثل هذا المصطلح في الكتابات العربية والتراثية -ربما باستثناء الكتابات التي ظهرت بعد حقبة الاستعمار إلى يومنا هذا- أي أنها ولدت من رحم الاستشراف ذاته، وكانت تستخدم لأهداف أيدولوجية أو سياسية في بعض الأحيان.

وقبل البدء في الحديث، كان لا بد من تعريف "جريمة الشرف" أو محاولة المقاربة إلى المفهوم الحقيقي لهذا المصطلح، وهل ينطبق على الجميع، أم أنه محصور في البيئات العربية والإسلامية كما يُتصور للوهلة الأولى عند سماع أي حالة تُدرج تحت بند "جريمة شرف"؟، وبالإمكان اختزال مضمون تعريف جريمة الشرف على أنها حالة قيام أحد الذكور بالاعتداء المختلف والمتنوع على الأنثى من نفس العائلة أو العشيرة أو القبيلة، تكون في الغالب نتيجة شبهة ظنية أو واقعيّة بالفعل، يعتقد الفاعل أو الجاني بأن الضحية قامت بعمل يُعد مخلاً أخلاقياً أو عرفياً لا يمكن إزالة آثاره الاجتماعية إلا عن طريق العنف الجسدي الفيزيائي.

جريمة الشرف بين الشرق والغرب
إن قيام الشخص بقتل قريبته بدعوى حماية الشرف وصيانة العرض، فعل محرم شرعاً، وجريمة يجب أن يحاسب القاتل عليها، وأن لا تكون القرابة أو الشك عذراً مخففا له؛ لأن الأحكام لا تثبت بالشك

يعتبر قتل الأنثى بدافع "أخلاقي" من الأعمال المنتشرة في العالم أجمع، وليست مقتصرة على البيئات العربية أو الإسلامية كما هو شائع ومتداول، لكن يكمن الفرق بين الشرق والغرب، هو في الحقيقة في تصوير الدافع للقتل على أنه "جريمة شرف" كما يطلق عليها في حال وقوع الجريمة في الشرق، و"جريمة عنف" كما يطلق عليها في حال وقوعها في الغرب، مع أن الدافع والضحية والجاني هو في جوهره واحد سواء في الشرق أو في الغرب. وربما يعود السبب في ذلك؛ هو انتشار الفكرة القائلة بأن المرأة في الغرب تمتلك حقوقاً كاملة على عكس المرأة في الشرق -كما هي الفكرة المنتشرة-، مع أننا لو نظرنا إلى الموضوع بدقة، لوجدنا بأن النسويات أو الناشطات في قضايا المرأة في الغرب قد كتبن ويكتبن عن حجم الظلم والاضطهاد الواقع على المرأة في المجتمعات الغربية حتى هذا اليوم.

هذا، وبالإضافة إلى ذلك، قوة تأثير العامل الثقافي، حيث يرجع السبب إلى قتل النساء في المجتمعات العربية أو البيئات الإسلامية إلى أنه نتيجة للثقافة السائدة المتراكمة والجمعية، بمعنى محاولة تصويره على أنه شيء مقبول اجتماعياً وثقافياً، وأنه تصرف راجع إلى منظومة السلوكيات المقبولة والصحيحة أو المتعارف عليها، بينما في حال وقوع الجريمة ذاتها في أمريكا أو أحدى الدول الغربية، لا تعتبر كتلك، بل ينظر للفاعل على أنه ليس ديمقراطياً أو أنه كاره للنساء أو "ميسوجيني" على حسب التعريف التصنيفي لمثل هذه الحالات.. وغيرها من المسميات والمصطلحات الأخرى المتعددة، أي أنه تصرف فردي لا يعبر عن ثقافة مجتمع، مع أن الأرقام في الولايات المتحدة تشير إلى أن 40 في المائة من النساء اللاتي يقتلن، يقتلن من قبل أزواجهن أو عشاقهن لأسباب أخلاقية – جنسية. لكن وكما قلت فمثل هذه الجرائم لا تعطى مفهوماً ثقافياً إلا في حال وقوعها في المجتمعات العربية أو الإسلامية عموماً.

الموقف الإسلامي من جريمة الشرف

يشدد الإسلام في موضوع القتل، والنصوص في تجريمه مستفيضة جداً، ووضع التشريعات والشروط والضوابط الصارمة على من يستحق القتل ووسيلة القتل والمخول بالقيام بهذه العملية، وقد قال تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْفَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"، هذا بالإضافة الى العديد من الآيات القرآنية التي تشدد على مسألة القتل بغير حق، والاحاديث النبوية الشريفة التي حذرت من موضوع القتل، ومن ذلك ما قاله عليه الصلاة والسلام: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً".

ومن الجيد اقتباس موجز من فتوى صادرة عن دار الإفتاء الأردنية برقم: 3258، جاء فيها: إن ما يسمى بـ "جرائم الشرف" واحدة من أبشع الجرائم التي تنتشر في المجتمعات اليوم، يظن القاتل أنه من خلالها يُطهر عن نفسه العار والمذمة، ولا يدري أنه يرتكب ما هو أخطر وأكبر، وهو سفك الدم الحرام، الذي يزيد فساده على فساد أي جريمة أخرى، وأنه بذلك يستوجب على نفسه القصاص في قول كثير من الفقهاء؛ لاعتدائه على نفس معصومة لم تقم البينة قضاءً على زوال عصمتها، ولأن القاتل تقحَّم ما لا شأن له به بتوليّه إنزال العقوبة بنفسه، والأصل في بلاد المسلمين أن يتولى القضاة النظر في مثل هذه القضايا، كي يستتب الأمن، وتستقر المجتمعات، ويقوم كل بما عليه من واجبات، وينال ما له من حقوق. إن قيام الشخص بقتل قريبته بدعوى حماية الشرف وصيانة العرض، فعل محرم شرعاً، وجريمة يجب أن يحاسب القاتل عليها، وأن لا تكون القرابة أو الشك عذراً مخففا له؛ لأن الأحكام لا تثبت بالشك، ولأن القضاء هو من يتولى إصدار الأحكام ويتابع تنفيذها لا الأفراد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

إسراء المثال المشهور للكثير منها في البيوت، يتعرضن للتعنيف الأسري والضرب المُبرح دون رحمة ولا قانون يُلزم المجرم ألا يتعرض لهن، ولا حقوق تجعلهن أكثر قوة ليتحدثن ويدافعن عن أنفسهن.

الأكثر قراءة