الضلال بين الأسباب الدينية والدنيوية (3)

للضلال أسباب كثيرة وعوامل، حسبما تجري به سنة الله في عباده من ترتيب النتائج على مقدماتها واتباع المسببات لأسبابها، وقد تكون هذه الأسباب والعوامل فكرية، أو نفسية، أو أخلاقية، وقد ترجع إلى التأثر بالوراثة أو البيئة، أو النشأة أو طبيعة الحياة التي يحياها صاحبها أو غير ذلك من الأسباب والعوامل والتي من أهمها:

 

1 ـ الاستهزاء بآيات الله ورسله والمؤمنين:

قال تعالى: "ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا" (الكهف: 106). وقال تعالى: "وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا" (الفرقان: 41). وقال تعالى: "إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ" (المؤمنون : 109 ـ 110). وهكذا فإن الاستهزاء بآيات الله ورسله والمؤمنون، يشغل صاحبه عن التدبر والتفكر في دلائل الإيمان التي في الوجود، وفي دلائل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشغله أيضاً عن الاعتبار بما أثر الإيمان في نفوس أصحابه وحالهم وسلوكهم وإن ذلك الاستهزاء أيضاً يباعد بينه وبين صاحبه عن كل الدلائل والبينات ولا شك أن ذلك كله يسلمه إلى الضلال والغي.

 

2 ـ الكفر:
الله عز وجل من سنته أن لا يهدي الذي ظلم نفسه بالامتناع عن قبول الهداية، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق، ويستسلم للطاغوت، ويترك ما أعطاه الله من الفهم، إتباعاً لهواه وشهوته

بين سبحانه وتعالى في غير ما آية وإن سنته في الكافرين هي أن يعاقبهم بالإضلال وعدم الهداية، وقد جاء التعبير عن كفرهم هذا بالظلم تارة، وبالفسق تارة أخرى، وبالتكذيب ثالثة، وبالإجرام رابعة، ليضيف كل لفظ من هذه الألفاظ معنى آخر، بالإضافة إلى معنى الكفر، وقد جاء بيان جزائهم في أكثر من سياق سواء في الكفر أو الفسق أو الظلم، ليكشف أيضاً علل ذلك الكفر، وصفات الذين حكم عليهم بالكفر أو الفسق أو الظلم وعدم الهداية لهم، ومن خلال تتبع الآيات التي جعلت الظلم والفسق والكفر والإجرام سبباً في الضلال وعدم الهداية، وتبين أن المقصود بمعظمها الشرك وعدم الإيمان بالله وما يترتب عليه، وجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتكذيب بها، وإن كان لكل لفظ من هذه الألفاظ له معناه الذي يختص في الأصل والوضع.

 

أ ـ الفسق:

الفسق يقع على كثير الذنب وقليله، ولكنه تعورف بالكثير أكثر، ومن وجوه ورود الفسق في القرآن في الكفر وترك التوحيد، فالكافر فاسق لاخلاله بما ألزمه العقل واقتضته الفطرة السليمة، قال تعالى: "وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور : 55). ومن الآيات التي بينت سنة الله في إضلال هذا الصنف من الناس والذي يجمع بينهم الكفر قوله سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ" (البقرة : 26).

 

وقال سبحانه وتعالى: "قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (التوبة : 24) المعنى: قد مضت سنة الله تعالى في القوم الفاسقين المارقين من الدين بعد معرفتهم، كالمنافقين أن يكونوا محرومين من الهداية الفطرية التي يعرفها الإنسان بالعقل السليم والوجدان الصحيح، فلا يعرفون ما فيه مصلحتهم وسعادتهم من أتباعه فيؤثرون حب القرابة والمنفعة العارضة كالمال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد المفروض في سبيله.

 

ب ـ النفاق:

قال سبحانه وتعالى في حق المنافقين وهم كافرون عن الحقيقة: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (التوبة : 80). أي جرت سنة الله في الراسخين في فسوقهم وتمردهم، المصرين على نفاقهم الذي أحاطت بهم خطاياهم أن يفقدوا الاستعداد للهداية، والله عز وجل لذلك لا يهديهم، عقوبة منه لأنهم لا يستحقونها.

 

ج ـ الظلم:

وأما ترتيب عدم الهداية بسبب الظلم: فقد ورد في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (الأحقاف : 10). فحرمهم الله سبحانه الهداية لظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان، ومن فقد هداية الله ضل. وقال تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (الجمعة : 5). وقال تعالى: "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (التوبة : 19). وقال سبحانه وتعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (البقرة : 258) فالله عز وجل من سنته أن لا يهدي الذي ظلم نفسه بالامتناع عن قبول الهداية، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق، ويستسلم للطاغوت، ويترك ما أعطاه الله من الفهم، إتباعاً لهواه وشهوته، وهو حينئذ قد ظلم نفسه وضل ضلالاً بعيداً.

 

ومن الآيات التي جاءت تبين أن الكفر سبب في تحقق الله في الإضلال قوله سبحانه: "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (التوبة، آية 37). وقال سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (المائدة: 67). وقال تعالى: "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ" (الزمر: 3). وقال سبحانه وتعالى مبيناً أن التكذيب بآيات الله سبب في الضلال: "وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ" (يونس : 95 ـ 96). وقال سبحانه وتعالى مبيناً أن الإجرام سبب في الضلال، وسبب في حلول سنة الله  فيمن هذه صفته  "وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ *لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ" (الحجر : 11 ـ 13).

 

3 ـ الغلو في الأنبياء والصالحين:
دوافع البدعة كما ذكر الشاطبي رحمه الله هي: الجهل، حسن الظن بالعقل، واتباع الهدى، وكل ذلك من خطط الضلال وأسبابه والعياذ بالله، فالإحداث في الشريعة، إنما يقع إما من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق

إن الإفراط والغلو في تعظيم الأنبياء والصالحين بالقول والاعتقاد والفعل وتجاوز الحد والحق في منزلتهم التي أنزلهم الله إياها من إدعاء الألوهية لهم أو صرف شئ من العبادة -لا تنبغي إلا لله- لهم مثل التشريع والذبح والتضرع والدعاء إلى غير ذلك من أنواع العبادات سبب في الضلال. فأما عن ضلال اليهود والنصارى بسبب غلوهم، فقد قال تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (التوبة : 30 ـ 31).

 

وقال سبحانه وتعالى عن غلو النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً" (النساء : 171).

 

4 ـ صحبة السواء والبيئة الفاسدة:

بين سبحانه وتعالى أن الصاحب السوء قد يكون سبباً في ضلال صاحبه، قال تعالى: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا" (الفرقان : 27 ـ 29). ويصور القرآن الكريم جانباً من وسوسة صاحب السوء لصاحبه بقوله: "يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ" على سبيل الاستهجان والاستبعاد للبعث والحساب، ثم يبين أنه لولا فضل الله على ذلك الصاحب وعدم استجابته له لكان هو وإياه في سواء الجحيم. قال تعالى: "فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ" (الصافات : 50 ـ 57)، فمخالطة أهل السوء ومصاحبتهم ضلال، أو سبيل إليه، ومقاربة منه.

 

5 ـ التشبه بالضالين:

حذر القرآن الكريم بالتشبه باليهود والنصارى وسائر الكفرة لأن هذا التشبه يؤدي إلى الضلال، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا" (الأحزاب : 69). وقال تعالى: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"(آل عمران : 105). وقال تعالى: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ" (الأنفال: 47). وكل ما ورد في القرآن من قصص اليهود أو النصارى، أو سائر الكفرة من الملل الأخرى في بيان معاصيهم وأخلاقهم ومعتقداتهم الباطلة، فيه عبرة لنا حتى لا نتشبه بهم فنضل كما ضلوا.

 

6 ـ الابتداع في الدين:

البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقتصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"، فقوله: كل بدعة ضلالة: هو من جوامع الكلم لا يخرج عنه شئ، وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة.

 

وعن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا وعضوا عليه بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

 

ودوافع البدعة كما ذكر الشاطبي رحمه الله هي: الجهل، حسن الظن بالعقل، واتباع الهدى، وكل ذلك من خطط الضلال وأسبابه والعياذ بالله، فالإحداث في الشريعة، إنما يقع إما من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحق بحسب الاستقراء في الكتاب والسنة.. إلا أن الجهات الثلاثة قد تنفرد وقد تجتمع، فإذا اجتمعت فتارة تتعلق بالأدوات التي تفهم بها المقاصد وهي اللغة العربية، فإن الله أنزل القرآن بلفظ عربي ولا يستخرج أحكامه ويعرف مقاصده إلا من كان على علم باللغة وأصولها، وتارة تتعلق بالمقاصد، وذلك بالجهل أن الله أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها وتبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم، ولم يمت رسول الله حتى كمل الدين بشهادة الله بذلك حيث قال تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" (المائدة: 3).

 

فكل من زعم أنه بقي في الدين شيء فقد كذب بقوله: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ". وأما جهة الظن فتارة يشرك في التشريع مع الشرك، وتارة يقدم عليه، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد، وأما جهة اتباع الهوى فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يغلب صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير دليل. من هنا يتبين أن الابتداع في الدين وعدم اتباع هدى الله سبحانه وتعالى سبب من أسباب الضلال.
——————————————————————————————————————

مراجع البحث

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت، ص (159:152)
  2. سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، ط 38، 1430هـ، 2009م، (4/ 2475).
  3. محمد رشيد رضا، تفسير المنار (تفسير القرآن الكريم)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990م (10 / 236).
  4. شريف الشيخ صالح أحمد الخطيب، السنن الإلهية في الحياة الإنسانية وأثر الإيمان بها في العقيدة والسلوك، الدار العثمانية، عمان. الأردن، الطبعة الأولى، 2004م، (1 / 178).


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة