متاهة السياسة وأزمة الفكر في الجزائر

blogs الجزائر

"الثورة عبارة عن فكرة وجدت حرابها"
نابليون بونابرت

عشرين سنة كانت كافية ليخلف الرئيس الجزائري المستقيل نفاية سياسية ناتجة عن برنامجه فيما خلق بوتفليقة حصنا من الأحزاب ليؤسس لديموقراطيته فيما يشبه اللعبة لقد اخترق بوتفليقة الديموقراطية وشكل لنفسه حكما لا ينافس نشر قواعده في كل مكان وأصبح هدفها تجسيد برنامجه وتزكيته في كل انتخابات كما أدرك بوتفليقة أنه من غير الممكن السيطرة على السياسة من دون المال فأحاط نفسه بأقوى رجال الأعمال لدعمه في كل مرة يحتاج إليهم فيها إلّا أن هؤلاء سقطوا بعد سقوط الرئيس ولكن بوتفليقة ذهب ليستريح وبيادقه تم اقتيادهم للسجن..

آن للشعب في بلادي أن يفكر:

"أقوى شيء في الكون كله، أقوى من الجيوش وأقوى من القوة المجتمعة للعالم بأسره، هي فكرة آن أوان خروجها إلى النور"، فكتور هيجو.
طيلة فترة بوتفليقة اهتم بإنتاج كثافة معتبرة من الطلبة والتلاميذ في الظاهر نلمح أن الرئيس اهتم بالتعليم وأوصل صوت القلم ولكن البرامج التعليمية كانت فارغة وتهدف في باطنها إلى تدمير الإنسان المفكر بوتفليقة صنع المعالم ولكنه أفرغ الإنسان من محتواه مما أنشأ لنا فردا يسهل التحكم به وتوجيهه ببروغاندا بسيطة إذ يسّر على الإعلام التأثير في الشعب وأفكاره والتحكم بوعيه في أية قضية، خاصة في التوجه السياسي لقد صور لنا بوتفليقة بأنه المخلص ورجل السلم والوئام إلى آخر يوم من تقلده للسلطة وحتى في آخر تقرير تودعي بثه التلفزيون الرسمي..

الزمن القادم، ستصبح فيه قوة الفكرة أقوى من فكرة القوة هذا ما أصبحت تنشده الدول العظمى من خلال جذبها للعقول المفكرة فالشباب يجد ضالته في البلدان الغربية لسبب واحد فقط يتلخص في إيمان هذه الحكومات الشابة بقوة الفرد

يبدو أن الحراك الجزائري في ظاهره ناتجا عن فكرة الحرية والرغبة في الحياة ولكن حقيقة هذه الثورة هي مجرد تراكمات بسبب المآسي الاجتماعية التي يعيشها الشعب فالمواطن لا يجد العلاج لأمراضه نتيجة الغذاء السام الذي يتناوله وحتى أمراض القرون الوسطى عصفت به ناهيك عن قوافل الهجرة الغير الشرعية لشباب فقد الأمل من بلاده الذي لا يجد فيه منصب شغل، كل هذه الأمور فاقمت الوضع الذي كانت تعيشه السلطة بسبب مرض الرئيس الذي أجمع الشارع على أنه قد حان موعد إقالته وهذا ما كان بالفعل، فكرة بوتفليقة لم تغادرنا في حقيقة الأمر بل تم إعادة رسكلتها لنا بعدة طرق مخادعة ولكنها ليست مباغتة بطبيعة الحال فأي فرد متتبع لسلسلة الأحداث سيكتشف الأمر بسهولة، إذ نشرت الأحزاب التي كانت تمثل الحصن المنيع للعبة الديموقراطية اتباعها بين الشعب الغير مهيأ فكريا لتفادي مثل هذه الأخطاء القاتلة للديموقراطية من أجل اعتلاء المنابر وطرح الأفكار ليتشكل ما يشبه ثورة مضادة من نفس النظام الذي خرج الشعب من أجل عزله في نفس اليوم.

فكرة بقايا النظام كانت مفيدة للحراك الجزائري لقد تم تطهيره من كل من لا يؤمن بالحرية والإنسان وبالجزائر خاصة لقد لفظ الحراك دخلاء بحره من الانتهازين وأصحاب الطموحات السياسية والمتسلقين الذين لا تهمهم مصلحة الدولة ولا حرية الفرد الجزائري وهنا كانت المفاجأة بأن عاد الحراك لمن قام به في أول يوم من شباب وطلبة لم تترسب بعد في عقولهم فكرة السيطرة والعبودية شباب شاهد ما تبنيه الدول الغربية وما يفكر فيه الإنسان الغربي هنا استيقظ ذلك الإنسان الذي تخشاه الأنظمة العربية ذلك الفرد الذي يطرح الأسئلة ويخوض في نقاشات كان قادتها وجوه النظام فأصبح من المستحيل إخراج خطاباتهم من أدمغتهم ومخاطبة شباب الحراك الذين يصفهم المتسلقون لجدران السلطة بالغة تخوين.

الفكرة أمل هذا الوطن:

"يصبح للفكرة قوة عندما تستولي على الجماهير". كارل ماركس.
الزمن القادم، ستصبح فيه قوة الفكرة أقوى من فكرة القوة هذا ما أصبحت تنشده الدول العظمى من خلال جذبها للعقول المفكرة فالشباب يجد ضالته في البلدان الغربية لسبب واحد فقط يتلخص في إيمان هذه الحكومات الشابة بقوة الفرد الفتي وقدراته التي يتفوق بها على الشيخ الطاعن في السن، لقد غيب الفكر في حياتنا اليومية من قاعدة الهرم إلى أعلاه وهذا ما حطم بلادنا التي لم تنطلق منذ الاستقلال لتخوض معركتها الحقيقة التي لخصها بومدين في مقولته "إفريقيا لنا" استطاع شبابنا اليوم من إذابة الجليد الذي حد من قدرتنا على العمل والكلام أما اليوم فنحن امام صدام فكري من أجل تعقيم الجو الفكري السام الذي خلفته لنا القمامة السياسية وهذا ما قد يأخذ وقتا طويلا لأن تلويث المحيط سهل ولكن التعقيم والتطهير طريقه شاق، أي لابد لنا من محاربة بقايا الفساد ببناء منظومة تعليمية وصحية قوية من أجل بناء فرد جزائري متكامل مثل ما قامت به ألمانيا وهذا يتحقق بسيطرة كاملة على الجماهير وتركها تقرر ما يليق بحياتها بعيدا عن ما كانت ملزمة بطاعته والتقرب منه فالأوطان التي تبنى بالفكر والعلم وحدها من تستطيع مقاومة كل ما قد يعرقل طريقها الفكرة هي التي تصنع القوة وتسمح لإرثنا بالخلود إلى الأزل أما الأوطان التي لا ترتكز على دعامة الفكر فالانهيار مصيرها ولنا عبرة في الأمم.

التاريخ والأنا المفكرة:

"إن أساتذة الصراع الفكري يعرفون أن التعامل مع وثن هو أسهل من التعامل مع فكرة"، مالك بن نبي.
استنزف من سبقنا طيلة نصف قرن التاريخ الثوري من خلال تمجيد أبطاله لإخفاء عجزهم في معركة بناء جزائر جديدة نجت بأعجوبة من الكلونيالية والتدمير المبرر وقتها، لقد تربى هذا الجيل بأكمله طيلة نصف قرن من الاستقلال على فكرة الثورة من دون أن يكمل مسيرة الثائرين والشهداء وهذا ما دفعني للقول؛ بأننا امام مرحلة مفصلية يجب علينا من خلالها التخلي عن التاريخ الذي جمّد عقولنا هذا لا يعني نبذه ولا التخلص منه ولكن نحن اليوم في مسار يجب على الأنا التي تعيش في هذا الزمن أن تتحدث بأفعالها وعملها المخلص فداء لهذا الوطن وهذا ما سينتج لنا ثورة أخرى ليست دموية ولكنها ترفع هذا البلد إلى أفق أخر يستطيع من خلاله الجيل القادم صناعة ما لا يخطر على بال فمهمتنا اليوم مقاطعة أفكار الأنظمة وصناعتها التي هدمت مسيرة الإنسان المعاصر وجعلته فردا غير فعال لا يمكن أن أتصور في الجزائر فردا بعقلية النظام السابق والتاريخ العامر بالبطولات الذي يُعزَفُ لنا قادرا على إحداث الطفرة لأنه ببساطة أمر منافي للمنطق وستون سنة بنفس النهج لم تنفع لهذا وجب خلق خطة بناء لا تزول.

تبين اليوم بأن الحسم بين الفكرة الصلبة المكونة بشق الأنفس من الكتب والأبحاث قد خرجت وهدفها التوعية ضد الفكرة المصنوعة في مخابر خاصة هدفها السيطرة على الشعب بغاية استعباده وتخصيص كل ما يستلزمه الأمر من إعلام وخطابات ورسائل والواقف في الظل عقل عدوا يريد هدم وطننا، لقد حان لفكرة الوطن الحر أن تعبث بصنيعة الاستعمار والنظام المتهالك من أجل التشييد والبقاء.