حلف الأقليات.. واستهداف أهل السُّنَّة!

منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار جدار برلين في نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين، والعالَم قد شهد تغيّرات وتحوّلات شديدة العمق والجذرية. منها مثلًا أن العالم قد أصبح ذا قطبٍ أوحد يتحكّم بمصيره وسياساته وتحتلّ مركز القوة والسلطان فيه الولايات المتحدة الأمريكية، مع نشوء فراغ هائل أحدثه سقوط المعسكر الاشتراكي. وقد سعى لملء هذا الفراغ عدة قوى وتكتلات، ولكن لا تزال موازين القوة يرجح لصالح القطب الأمريكي الأوحد.

  

وقد سعت قوة عظمى مثل الصين أن تملأ الفراغ الناشئ عن انهيار الاتحاد السوفييتي. وحذا حذوها كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا. ولكن فارق القوة لا يزال هائلًا لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أن كل هذه القوى قد فشلت في خلق نوع من التوازن كالذي كان موجودًا في أيام الحرب الباردة بين القطب الرأسمالي الأمريكي غربًا ونظيره الاشتراكي السوفييتي شرقًا. إلا أن هذا الوضع يؤذن بالتغير بظهور قوة وازنة وواعدة سوف تقلب موازين القوى رأسًا على عقب، وسوف تغير الخريطة الجيوإستراتيجية للعالم كليا، وهذه القوة هي الإسلام. وعندما نقول الإسلام، فإننا نعني الإسلام السني على وجه الخصوص، وهو الذي يشمل الغالبية العظمى من مسلمي العالَم.

   

وصعود الإسلام السني ترفده ثلاث عناصر تجتمع لتجعل منه قوّة جادّة وواعدة ووازنة يحسب لها حساب كبير. العنصر الأول هو العقيدة الحيّة التي تنظّم حياة المسلمين وتمدهم بالمعاني الجليلة وتجعل منهم أمة عظيمة لها تاريخها المجيد، الزاخر بالإنجازات الحضارية المشرّفة، ولها رسالتها الثقافية والإنسانية السامية الضاربة في قديم الزمان والمتطلعة نحو الغد القريب والبعيد. وأما العنصر الثاني فهو الكتلة البشرية الديمغرافية التي تشكل مركز ثقل شديد الأهمية في الصراع على السلطة والتنافس على القوة في العالم، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الكتلة البشرية هي الأكثر والأسرع نموًّا بين مثيلاتها من الكتل البشرية الأخرى. وأما العنصر الثالث فهو الثروات الطبيعية الهائلة التي يختزنها باطن أراضي المسلمين، فيكفي، على سبيل المثال، ذكر استحواذ أهل السنة على حوالي ثلثي مخزون الطاقة الأحفورية في العالم (وبالطاقة الأحفورية -أو المستحاثية fossil energy، نعني النفط والغاز الطبيعي).

 

بعد سقوط الدولة العثمانية، صارت الأقليات الحلقة الأضعف والثغرة الأفدح في كافة المشاريع الاستعمارية والتوسّعية التي عملت على تركيع المنطقة وعلى نهب مقدراتها

ولم تغفل مراكز صنع القرار في العالم الغربي لواقع صعود الإسلام السني، مع يقينهم بالتهديد الحقيقي الذي ستشكله هذه القوة الصاعدة حيال سلطتهم النافذة وكلمتهم المسموعة في كل أرجاء العالم. ولذلك، فإنهم أعدّوا العدّة واستجمعوا قواهم وأخذوا بكل أسباب التدبير والحيلة للحؤول دون التمكين لهذه القوة الناشئة في الأرض، ولوأد كل بذور تقدّمها وتطوّرها ورقيّها في مهدها. فهناك الحرب الجسدية بقوة السلاح والغزو والاحتلال، وهناك الحرب النفسية بقوة الإعلام والدعاية والأقلام المأجورة. وكلا النوعين من الحرب استُخدِما ويُستَخدَمان على نطاق واسع من قِبَلِ الأمريكان وحلفائهم في حربهم ضد أهل السُّنّة.

 

وبما أن منطقة الشرق الأوسط هي مركز الثقل الثقافي والحضاري والاقتصادي (بثرواته النفطية الهائلة) للإسلام السنّي، فضلًا عن موقعها الجيوإستراتيجي الفائق الأهمية في وسط المعمورة، فإنه من الطبيعي والمتوقَّع أن تكون هذه البقعة من العالم المركز لتحديد السياسات العالمية وللصراع على السلطة والقوة والنفوذ في الميدان الأممي. وقد كان عاملٌ داخلي من صميم هذه المنطقة وتاريخها، كان خيرَ مُعينٍ وظهيرٍ للأمريكان في حربهم هذه التي تستهدف أهل السنة، عَنَيتُ الأقليات الدينية والعرقية.

 

عاشت الأقليات الدينية والعرقية بسلامٍ ووئامٍ وسط البحر السنيّ عبر التاريخ. ورغم ما قد يشوب التاريخ من تجاوزات وأحداث هنا وهناك، فإننا نستطيع القول إن معاملة أهل السنة للأقليات لطالما اتّسمت بالتسامح ورحابة الصدر وسعة الأفق، مما سمح لهذه الأقليات بأن تستمر بممارساتها وعقائدها وعاداتها في حرية تامة حتى يومنا هذا. لكن سقوط الدولة العثمانية، بعد هزيمتها في الحرب العالمية، وما ترتب عن ذلك من انهيار للخلافة الإسلامية، هذا السقوط المدوّي والمخيف قلب المشهد رأسًا على عقب، خاصة بعد نشوء الكيان الصهيوني على بقعة مغتصَبة من أنقاض الدولة العثمانية المنهارة، ألا وهي فلسطين العربية.

 

بعد سقوط الدولة العثمانية، صارت الأقليات الحلقة الأضعف والثغرة الأفدح في كافة المشاريع الاستعمارية والتوسّعية التي عملت على تركيع المنطقة وعلى نهب مقدراتها وسلب خيراتها ومصادرة قرارها وإلغاء حقها في تقرير مصيرها. وقد تعاونت (حتى لا نقول تآمرت وخانت) الأقليات في الكثير من المواضع والمواقف في تاريخنا الحديث، تعاونت مع المستعمرين والإمبرياليين الذين احتلّوا وأذلّوا، بشتّى الوسائل، كافّة البلدان التي تمثل الإسلام السني في العالم. على أن البلدان العربية السنية هي التي كان لها النصيب الأكبر من هذا الاستهداف.

   

  

وهنا نودّ أن نذكر أن الكثير من الباحثين والدارسين والمثقفين قد أشاروا إلى موضوع الأقليات هذا ومحوريته في منطقة الشرق الأوسط. ولكننا نحبّ أن نذكر اثنينِ منهما بشكل خاصّ، وهذا لأنهما ينتميان إلى هذه الأقليات التي أعملا فيها قَلمَيْ نقدهما، مما يضفي لرأيهما وزنًا إضافيًا، لأنه يدخل في نطاق "شهد شاهد من أهلها". وشهادتاهما لا بد أنهما نابعتان من ضمير حر لا يقيم وزنًا إلا للحق والحقيقة، وهذه هي صفات الباحثين والمثقفين الذين يؤخذ بآراهم ويُعْتَدُّ بها.

 

الشهادة الأولى هي للمثقف الفلسطيني الأمريكي الكبير إدوار سعيد، الغني عن التعريف. ومما يعطي لشهادته قيمة إضافية أنه ينتمي إلى مسيحيي فلسطين، أي أنه منتمٍ لواحدة من أقليات مشرقنا العربي، وهي الأقلية المسيحية. يقول إدوار سعيد في كتابه "مسألة فلسطين" أن واحدة من المعضلات المحورية في منطقة الشرق الأوسط هي قضية الأقليات. وهنا هذا المثقف الفلسطيني الأمريكي الكبير لا يوارب ولا يداري في اتهامه للأقليات بأنها غير وطنية، على خلاف الأكثرية السنية الوطنية التي تضع انتماءها لوطنها فوق اي اعتبار آخر. ويرى أن ممارسات الاقليات المسيحية والشيعية والعلوية والدرزية وغيرها هي ممارسات تخدم الكيان الصهيوني، رأس الحربة في حلف الأقليات ضد الإسلام السنّيّ. ويعتبر أن الدولة اليهودية، بما هي أقلية وسط المحيط الأكثري السني العربي، تبذل قصارى جهدها في إثارة النعرات الأقلوية وتأليبها ضد الأكثرية وتحريضها ضد أوطانها.

 

أما الشهادة الثانية فهي لباحث لبناني ينتمي للطائفة المارونية المسيحية (أي لواحدة من أقليات المشرق العربي)، وهو الدكتور نبيل خليفة. يقول الدكتور خليفة أن القرن الحادي والعشرين هو القرن الذي سيشهد صعود الإسلام السني كقوة موازية للولايات المتحدة الامريكية، ولهذا السبب بالذات فإن العم سام يسعى إلى ضربة استباقية تحاول منع هذه القوة الناشئة من الصعود، وهو ما يفسّر الأحداث الدامية التي يشهدها مشرقنا العربي. ويعترف هذا الباحث اللبناني المسيحي أن هذه الأقليات متآمرة مع الأمريكان في حربهم ضد السنة. لذلك فهو يحذر الشيعة والعلويين والمسيحيين وغيرهم من الأقليات من الاستمرار في التعاون مع الأمريكان ويدعوهم إلى وضع يدهم بيد أبناء وطنهم من أهل السنة، لأن صعود هؤلاء والتمكين لهم في الأرض مسألة وقت لا محالة.

 

في سوريا، لم تتورع الأقلية العلوية، من أجل الحفاظ على سلطتها المستبدة، عن استقدام الاحتلال الروسي والاحتلال الإيراني لقتل الشعب السوري السني بغالبيته

والأمثلة على تآمر الأقليات أكثر من أن تُحصَرَ. ولا بدّ هنا أن ننوّه أننا لا نهدف إلى شيطنة الأقليات ولا إلى التعميم، ولكن وقائع التاريخ الحديث وأيامنا الراهنة لا يمكن لنا أن نغفلها أو أن نتغاضى عنها، أو أن نصفها بغير وصفها، أو أن نسمّيها بغير اسمها. وسنكتفي بذكر ثلاث أمثلة من كل من لبنان والعراق وسوريا، من التاريخ الحديث والأيام الراهنة، تظهر لنا بشكل ساطع صواب نظرية "تحالف الأقليات" وانخراطها في الحرب الكونية ضد أهل السنة.

 

ففي لبنان، إبان الاجتياح الإسرائيلي في العام ١٩٨٢، الذي تُوِّجَ باحتلال العاصمة بيروت، كان تعامل الأقلية المارونية مع الصهاينة علنيًا دون خجل ولا وجل، رغم تحذير عقلاء الموارنة وحكمائهم لقياداتهم بعدم الوقوع في خطيئة وفخّ التعامل مع اليهود الغزاة المعتدين. وهكذا سجّل التاريخ عار تعامل الموارنة مع الصهاينة ضد أبناء وطنهم.

  

وفي العراق، في الغزو الأمريكي الذي أطاح بالرئيس صدام حسين، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن الشيعة (وهم أقلية في المشرق العربي رغم كونهم اكثرية في العراق) إنهم تحالفوا مع الغزاة الأمريكان ضد أبناء وطنهم من السنة. وكانت مكافأة الأمريكان للشيعة أن سلموهم قيادة العراق، الذي صار شعبه يترحم على أيام الدكتاتور صدام حسين، بعد أن عاثت ميليشيات الشيعة فسادًا في البلاد، وظلمت العباد، وأساءت الحكم، وذهبت في الفجور إلى أقصى الحدود.

  

وفي سوريا، لم تتورع الأقلية العلوية، من أجل الحفاظ على سلطتها المستبدة، عن استقدام الاحتلال الروسي والاحتلال الإيراني لقتل الشعب السوري السني بغالبيته، فكانت الحصة الكبرى من القتل والدمار والتهجير من نصيب المدن والقرى السنية. وهكذا أظهرت الأقلية العلوية هشاشة انتمائها الوطني، وأثبتت أنها مستعدة للتحالف مع كل شياطين الأرض من أجل الحفاظ على سلطتها المطلقة وامتيازاتها في وجه الأكثرية السنية السورية.

   

وبناء على ما سلف ذكره في هذا المقال، فإننا نستطيع القول إننا نشهد في أيامنا هذه حربًا كونية حقيقية، ضد أهل السنة، تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ويشكلّ رأس الحربة فيها "حلف الأقليات" المكوَّن من الكيان الصهيوني ومسيحيي المشرق العربي والشيعة وغيرهم من الأقليات. ويؤدي هذا الحلف خدمات جليلة لا تقدَّر بثمن للعملاق الأمريكي الذي يسعى قدر الإمكان إلى إطالة أمد هيمنته على المشرق العربي، ويحاول بشتى السُّبُل أن يقطع الطريق أمام صعود وتمكين أهل السُّنّة في الأرض.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة