محمود أبو الفتح باشا الذي استوفى للصحافة حقوق الزعامة من مهجته

الأستاذ محمود أبو الفتح هو عميد الصحفيين في عصره بلا منازع، وهو الذي تسلّم راية الصحافة الوطنية من الشيخ علي يوسف وأمين الرافعي حتى أنهت ثورة يوليو 1952 وجود الصحافة الوطنية باغتصاب أمواله ومحاكمته ونفيه وتأبيد عداوته، كانت عمادة الأستاذ محمود أبو الفتح للصحافة عمادة رحبة، ومنفتحة، ومتفتحة، ومثمرة، وكانت تُتيح لأي موهوب ولأي مجتهد غيره أن يوجد إلى جواره زميلاُ أو شريكاً أو منافساً أو تلميذاً أو أخاً أو جاراً، ولم تكن زعامة احتكار أو إقصاء، وهكذا وجد هذا الرجل الذي ولد في 1885 إلى جوار آخرين ممن ولدوا قبله كالأستاذ أحمد حافظ عوض المولود في 1874، وإلى جوار عبد القادر حمزة المولود في 1880.

 

كما وجد إلى جواره من كبار الكتاب والأدباء التالين له في السن والذين لم يبلغوا مبلغه من المجد الصحفي والتأثير الإعلامي من قبيل كل من الأساتذة عباس العقاد 1889 وطه حسين ١٨٨٩ ومحمد حسين هيكل 1988 والمازني ١٨٩٠ ووجد معه رؤساء تحرير محترفون من قبيل الأستاذ أنطون الجميل 1886 كما وجد الأساتذة محمد توفيق دياب 1889 وفكري أباظة ومحمد التابعي 1896 وأصحاب مؤسسة من قبيل السيدة وروز اليوسف 1898 لكنه بنفوذه ونجاحه كان صاحب حضور مؤسسي يفوقهم حضورهم جميعاً ويتقدم عليهم جميعاً بروحه المؤسسية الجادة وقدراته التمويلية والإدارية والاقتصادية، ومواهبه النقابية، وصلاته السياسية وقدرته على الاستحواذ على الثقة وبناء الرأي والعقيدة.

 

ولا يكاد اثنان يختلفان على أن الأستاذ محمود أبو الفتح هو بلا جدال صاحب أشرف وأنبل موقف سياسي إذا ما قيمنا موقف أصحاب الكلمة من قضية الديموقراطية في عهد ما عرف على أنه حركة ثم ثورة 23 يوليو 1952، فعلى الرغم من إسهام مؤسسته وشقيقه الأستاذ أحمد بفاعلية وإخلاص في قيام الثورة ونجاحها فإنه لم يتورط معها أبداً في الانحياز ضد الديموقراطية ولا ضد حكم الشعب، وتقبل أن يدفع ثمن موقفه هذا وأن يكون هذا الدفع هو أكبر ثمن دفعه صاحب رأي حتى ذلك الوقت المبكر من طغيان الديكتاتورية، كان الأستاذ محمود أبو الفتح من الذين ولدوا وماتوا في نفس اليوم من التقويم تقريبا فقد ولد في 15 أغسطس 1885 وتوفي في 16 أغسطس 1958 عن 73 عاماً، وقد كان والده أستاذا للشريعة الإسلامية في مدرسة الحقوق، والتحق هو نفسه بمدرسة الحقوق.

 

كان الأستاذ محمود أبو الفتح من أبرز الكتاب الذين شاركوا في وفد مصر إلى الأمم المتحدة في العصر الذي كان هذا الوفد حريصاً على تمثيل الصحفيين فيه، وهكذا اشترك في دورة 1950 من دورات هيئة الأمم المتحدة

مارس الأستاذ محمود أبو الفتح الصحافة مبكراً وبدأ العمل مراسلاً صحفيا في وادي النيل 1914 ثم عمل مُحرّراً للجريدة، ثم في جريدة الأفكار (1920) ثم في الأهرام (1921 ـ 1928) وفي تلك الفترة توثقت علاقته بالوفد المصري وشارك في رحلات الزعيم سعد زغلول من أجل التفاوض مع الاستعمار ولهذا كتب كتابه "مع الوفد المصري" جامعاً بين المذكرات والرأي والتاريخ كما كتب كتابه "المسألة المصرية والوفد" ومنذ 1928 أعلن عن انحيازه الصحفي للوفد، وصل الأستاذ محمود أبو الفتح إلى أقوى النقط في تاريخ صعوده منذ أسّس جريدة "المصري" في 1936، وكانت أول جريدة تُعلن بوضوح عن التوجه الوفدي وليس مجرد المناصرة أو التعاون مع الوفد، وقد أشرك معه في هذه الجريدة كلاًّ من محمد التابعي وكريم ثابت لتتوزع الملكية على ثلاثة ملاك، لكن زميليه بطبعهما غير المؤسسي سرعان ما انفصلا عن المؤسسة بعد سنوات قليلة، وبقي هو بمثابة صاحب المؤسسة والجريدة والتوجه والمجد الرفيع أيضاً الذي ارتبط بمدرسة المصري في الثقافة والسياسة والصحافة.

شجع الأستاذ محمود أبو الفتح إنشاء نقابة الصحفيين (1941) وكان أول نقيب للصحافة، وجعل من شُقّته الفاخرة مقراً للنقابة، وعاشت النقابة فترة طويلة من عمرها كيانا شامخا مستقلا وإن كان هذا الكيان قد عاش مُقتصراً على معونات الأستاذ محمود أبو الفتح الدائبة والمستمرة للنقابة والمهنة، تعددت وتنامت نجاحات الأستاذ محمود أبو الفتح الاقتصادية بفضل الروح المؤسسية وبفضل صفوة العاملين والمديرين الذين أجاد اختيارهم، وتمكّن مع الوقت من توسيع محفظته المالية من خلال دعم مؤسساته بأفضل الخيرات الاقتصادية فآلت إليه بالشراكة والشراء على سبيل المثال شركة الإعلانات الشرقية (التي أمّمتها الدولة وجعلتها بمثابة الوعاء الأكبر لجريدة الجمهورية التي تصدر عن دار التحرير التي استولت على بعض ممتلكات أبو الفتح بالطرق العسكرية الفجة، كما شملت محفظته المالية بنك القاهرة وعدداً آخر من المؤسسات الناجحة.

 

مارس الأستاذ محمود أبو الفتح الحياة البرلمانية بهمة وشرف واقتدار، وليس مجهولا أنه رغم مشاغله انتُخب عضواً في مجلس النواب 1938 ضمن أقلية وفدية صممت على خوض الانتخابات والفوز بها على الرغم من تزوير الانتخابات ضد الوفد، واختير أيضاً عضواً في مجلس الشيوخ، كان الأستاذ محمود أبو الفتح في مجمل حياته وأدائه بعيداً عن الشبهات والصفقات على الرغم من سهولة لمز اسمه في ظل سيطرة الحكومة على حصص ورق الصحف والضرائب والاستيراد، لكنه لم يتورط في صفقات استغلال النفوذ ولا الإفساد السياسي على الرغم من سهولة الانزلاق إلى مثل هذه المآخذ، وأقصى ما تجده هو أن تثور أقاويل من تلك الأقاويل الروتينية أو الأتوماتيكية التي تفترض إن كل صاحب نفوذ سيحصل على مزايا تقابل نفوذه، وعلى الرغم من هذا فإنه لم يكن صعبا على ثورة ١٩٥٢ حين بدأت محاربته والغدر به أن تفتعل قضية صغيرة ومصطنعة من هذا الطراز، وفي مثل هذه الأحوال فإن الناقد المنصف يستطيع أن يميز الاصطناع ودلالته على الاستقامة. لم يترك الأستاذ محمود أبو الفتح آثاراً أدبية روائية أو قصصية على نحو ما فعل كثير من أنداده الصحفيين وذلك لأنه رأى في الصحافة واجبه الأسمى.

 

كان الأستاذ محمود أبو الفتح من أبرز الكتاب الذين شاركوا في وفد مصر إلى الأمم المتحدة في العصر الذي كان هذا الوفد حريصاً على تمثيل الصحفيين فيه، وهكذا اشترك في دورة 1950 من دورات هيئة الأمم المتحدة على نحو ما اشترك الأستاذ فكري أباظة في اجتماعات تأسيس هيئة الأمم المتحدة (1945) مع عبد الحميد باشا بدوي وإبراهيم باشا عبد الهادي، أما الدكتور محمود عزمي فقد تولى المسئولية الرسمية عن الوفد فيما بعد ذلك حتى توفي وهو يُنافح عن حقوق مصر في الأمم المتحدة، وبهؤلاء الثلاثة وغيرهم كانت مصر تقدم نفسها فتحتل مكانها المؤثر في المجتمع الدولي في عصر كان يعنى بالقيمة قبل ان تحرص حكومات الثورة على أن تحيل هذا التمثيل الدولي إلى مهمة روتينية ضعيفة العلاقة بالدبلوماسية .

 

بقي أن نُشير هنا إلى ما لا يُجاوز إهمال الإشارة إليه من أن الدكتور عبد الوهاب بكر ذكر في ترجمته وتحقيقه لكتاب شميدت عن أعلام مصر أن الأستاذ محمود أبو الفتح حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب (1963) وفي الفنون (1998) وهو ما لم يحدث والظاهر أن هذين الهامشين انتقلا من موضعين آخرين إلى هذه الترجمة دون تصويب ودون انتباه. توفي الأستاذ محمود أبو الفتح في باريس ودُفن في تونس، وقبل هذا كان هاجر إلى العراق ومنها إلى تونس وفرنسا، وقد مكنه الرئيس ديجول من أن يُخاطب المصريين والعرب من خلال إذاعة "مصر الحرة" التي استخدمت أجهزة الإرسال الخاصة بالمقاومة السرية التي كان يقودها الجنرال ديجول نفسه في أثناء الحرب العالمية الثانية. نشر الدكتور سيد أبو النجا كثيراً من ذكرياته عن العمل مع الأستاذ محمود أبو الفتح، ومن المكانة التي كان يتمتع بها عند الزعيم مصطفى النحاس باشا، وحرص زعيم الأمة على إرضائه والوفاء بحقه وعن مدى إخلاص وحب السيدة قوت القلوب الدمرداشية له على الرغم من أن علاقتهما لم تتعد علاقة قريبة مما يوصف بأنه الحب العذري.



حول هذه القصة

على الرغم من استخدام تقنيات الواقع الافتراضي في الصحافة على مدى السنوات الماضية، إلا أن هذه التكنولوجيا الغامرة لا تزال في مراحلها الأولى في العالم العربي.     حين بدأت العمل مع طاقم contrast علمت أن عملي الصحفي سيتغير بالكامل، فمن معمعة الميدان والازدحام بين الأخبار العاجلة والتغطيات المباشرة، انتقلت إلى نوع جديد من الصحافة، […]

يعتبر الإعلام بمثابة السلطة الرابعة، ويملك سلطة رمزية تمكن من خلالها من تغيير التاريخ في العديد من الأحيان، ويستطيع بسلطته الرمزية تلك أن يُغير الثقافات، ويساهم في تحرير العقول.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة