"حتى سوريا بدأت بالورود".. هل يمكننا المقارنة بين انتفاضة اللبنانيين والسوريين؟

blogs لبنان

"حتى سوريا بدأت بالورود" قالها رئيس الوزراء الجزائري السابق -المسجونُ- وهو للشعب من الناصحين من تحت قبة البرلمان على غرار نصيحة إبليس -المدحورِ- لآدم وزوجه تحت ظُلّة الجنان، أراد الوزير الأول بكلامه إغراء الجموع المنتفضة يوم 22 فبراير الماضي بطِيب شجرة الاستبداد وحلاوة ثمرة الخنوع التي نهاهم ربهم عنها. ثم انتشر مقطع لرد عفوي من فم منتفض صغير بقلب ثائر كبير "الجزاير ماشي سوريا". رد كهذا لا يحمل على الإطلاق انتقاصا للسوريين ولا يرام به مفاضلةٌ وليس خلفه لوم أوتأنيب لهم على حقهم المشروع في ثورتهم على الطغيان، ولكن يصف اختلاف الواقع السياسي أو على الأقل يحمل رجاءً في مُخرج مغاير يحقِّق الآمال ولا يعمِّق الآلام، ولو أراد الفتى إهانةً ما صاحبت عِبارات فمه عَبارات عينه، حتى صار رده هتافا تصدح به الجماهير في الساحات والشوارع.

لعبة المقارنات هذه تستحضر أحد أهم القواسم المشتركة بين الشام والمنطقة المغاربية المتمثل في عنصرية الإمبريالية الفرنسية التي كانت -ولا تزال- تنتهج سياسة فرق تسد فنجحت مرارا وفشلت مرَّاتاً. فهي التي راحت تنفث سموم النعرات العرقية والجهوية بين المغاربة حتى كادت تجتث منطقة القبائل من جسدها كما فصلت لبنان عن كيانه بسَنِّ بدعة دولة لكل طائفة والتي لا تزال تلقي بظلالها حتى اليوم. أو عندما اصطدمت مساعيها الدنيئة لفصل الصحراء الجزائرية عن شمال البلاد قبيل انتزاعها استقلالها بتلك المواقف البطولية لأعيان الصحراء الذين رفضوا أدنى مساومة على وحدة وطنهم.

المقارنة بين انتفاضة اللبنانيين والسوريين ليست من باب الدَّجل السياسي كما حاول أهل هذا الدَّجل مقاربات لا تستوي، لكن انطلاقا من جوابِ سؤالٍ طُرح على صفحات التاريخ عن مدى تشابه لبنان بسوريا فردت أن المقارنة لا تصح بينهما

إذا كانت عبارة "حتى سوريا بدأت بالورود" كرد على حراك الجزائر حقاً أريد به باطلٌ فقد لا تكون اليوم إلا حقاً لا يراد به إلا الحقُ أمام حراك 17 أكتوبر بلبنان، وذلك لواقع المناخ السياسي فيه المتميِّز بالمحاصصة الطائفية والمتَّسم بنفوذ القوى الإقليمية والعالمية المتصارعة سياسيا بالوكالة داخل ترابه كحال إجرامها العسكري في سوريا، إلا إذا كان تماثل المزاج العام بين سوريا ولبنان عبرة للأخير لصون ثورته عن الأخطاء المريرة لشقيقته الكبرى فلا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.

قد لا يحق لأحد زجر اللبنانيين عن الانتفاض سعيا إلى الكرامة ولا تخويفهم بخطورة مسلك الثورة لنيل الحرية مهما كانت المبررات، لأنه ليس أحد أعرف بضرهم ونفعهم منهم فأهل مكة أدرى بشعابها، ولأنهم آخر من يجب تحذيره من نار الحرب الأهلية الطائفية فهم السَّباقون إلى الاكتواء بلهيبها في الأمس القريب ولأنهم اليوم أدرى بآلام جراحها التي تدمي إخوانهم وجيرانهم السوريين فهم أوّل من يضمدها. وقد يتمكن الجميع من إحترام موقف الجماهير اللبنانية بلجم لسانه وحجر حبره ووأد رأيه، لكن كابوس تكرار مآلات المشهد السوري لا يرضى إلا ابتسامة خبيثة من ركن قريب ومظلم. تلك المآلات التي لا تدع سبيلا للروح أن تلجم كمدا ولا للعين أن تحجر دمعا ولا للقلب أن يئد غصصا.

إن المقارنة بين انتفاضة اللبنانيين والسوريين ليست من باب الدَّجل السياسي كما حاول أهل هذا الدَّجل مقاربات لا تستوي، لكن انطلاقا من جوابِ سؤالٍ طُرح على صفحات التاريخ عن مدى تشابه لبنان بسوريا فردت أن المقارنة لا تصح بينهما لأنهما ذلك الشام الواحد بحضارته الضاربة في عمق التاريخ وعبء التخلف الذي ينهشه اليوم أيضا، والواحد بأدبه الجميل وفنه الراقي وتنوعه البديع لكنه واحد كذلك بطائفيته المقيتة وتحزبه الشنيع، والواحد بانتصاراته المجيدة على عدو الأمس وبمقاومته الصامدة لعدو اليوم المتاخم لحدوده لكنه واحد بزعاماته التي فرقت ولاءاتها على الدول عدا وطنهم المستباح.

دافع هذه المقارنة أمل في أهل لبنان وهم أعلم بحالهم وحال شعبهم في سوريا التعلم من دروس التاريخ قديمها وجديدها لأنه ذلك الأستاذ الصارم الذي لا يكل ولا يمل من تكرار نفسه حتى تُستوعب دروسه ولا يبالي بمستوى طلابه ولا مدى اجتهادهم ولا مشاربهم الفكرية ولا يكترث لمصائرهم فالناس تلامذته شاؤوا أم أبوا وهو معلمهم رغما عنه وعنهم. وإنه لو استفتي هذا الحكيم لأباح للبنانيين أن يصبحوا مؤمنين يقينا بالشام ويمسوا كافرين بواحا به وأن يبروه في أصالته وتنوعه ويعقوه في طائفيته وتشرذمه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة