الأمن والأمان.. آداة الحاكم وفزاعة الشعوب

عندما تنتفض الشعوب وتخرج للشوارع مطالبة بالحقوق المهدورة والحريات المسلوبة، معبرة عن قدر القهر والشعور بالظلم؛ يخرج الشعب وسلاحه هتافا وكلمة في وجه من ظلمه وتعدى على إنسانيته، أو استباح حقا من حقوقه أو سطا على إرادته ويحاول إجباره على القبول بوضع ضد مصلحته.. يخرج الشعب مستخدما أبسط أدواته وأقواها في آن واحد.. صوته وكونه فردا في منظومة إنسانية تسمى دولة له دور في إقامتها، دولة تنتمي له قبل أن ينتمي لها بحق الولادة والنشأة والجنسية والتاريخ والسلالة.

 

في المقابل تجد الممتنعين عن المشاركة في ذلك الظرف (حزب الكنبة) يشاهدون بامتعاض لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يشجعون (اللعبة الحلوة) وينتمون للرابح يبررون امتناعهم عن المشاركة بأنهم يؤثرون الإستقرار ويريدون الأمان لهم ولِسلالتهم بطولها.. هناك أيضا من يمكن شرائهم بإسم الأمن والأمان يخرجون من قُمقمهم بـ 5 دولارات وقنينة ماء يُسرحونهم في الشوارع منددين بهؤلاء العملاء المندسين والخونة للوطن الذين يصدحون بالحرية ويخربون على باقي الشعب أمنه واستقراره؛ يقابلهم الإعلام في مشهد عفوي ويسألهم بكل براءة وشفافية لماذا تخرجون منددين بالانتفاضة الوحشية للخونة وأعداء الوطن ومُهللين للنظام الحاكم؟ فيصرخ أحدهم بوطنية هادره أمام الكاميرات: الأمان..  يكفينا ما نحن فيه من أمان! على الرغم من أنه لا يأمن بعد قوله لتلك الكلمات هل سيأخذ الـ 5 دولارات مقابل أدائه أم أنه سيكتفي فخرا بوطنيته التي لا تقدر بثمن!

 

الأمن آداة الأنظمة القمعية وفزاعة الشعوب
كل خدمة تقدمها الدولة القمعية للمواطن تسبقها كلمة "أمن" مثل الأمن الوطني والأمن القومي والأمن الحربي وأمن الدولة وأمن التجمعات والأمن الداخلي والأمن الخارجي وهكذا كما في كل العالم

في كل مرة تعلن فيها الدولة عن محاربة الإرهاب سواء كان محتملا أو مؤكدا دون وضع توصيف محدد لذلك الإرهاب فإنها تبدأ بإطلاق قانون الطوارئ أو إقامة المحاكمات العسكرية وإعدامات فورية مُعطلة كل بنود القانون والدستور فتصبح كل كلمة تصدح بها الدولة في ذلك الوقت يسبقها كلمة "أمن" لتوحي للمواطن أنها تحافظ على أمنه وتسعى لتأمينه ضد كل من تسول له نفسه الاعتداء عليه؛ ولكن الدولة لا تعلن هذا حرفيا باسم الشعب وإنما تعلن ذلك باسم الوطن وكأنما الشعب والوطن مفصولون عن بعضهم البعض وكأن الشعب لا نصيب له في أرض الوطن.. فيظل الهتاف بأن يحيا الوطن ثلاث مرات وأن كل إجراء متخذ فهو لأجل الوطن وأن كل الصعاب التي يعيشها "المواطن" تهون من أجل أرض الوطن فينسى المواطن من هو بالنسبة للوطن وما هو الوطن بالنسبة له ويجد نفسه يحدد انتماءه بقدر رضا المسؤولين عنه فهو ابن الوطن يُمنح صك ملكيته لو هلل للحاكم وقبل كل ما يجود به من أهازيج أما من خالف ذلك فهو خائن ولا يستحق ربط أوصاله بالوطن.

 

في الأنظمة القمعية عندما تسيطر الحكومات على الشعوب يبدأ تسويق كلمة "أمن" على أنها أهم من الطعام والشراب بل أهم من كل الحاجات الأساسية الإنسانية ويتصدر رجال الأمن برتبهم وبدلاتهم العسكرية المشهد يودون لو تشكرهم لتركك تتنفس وأن الفضل في ذلك النفس الذي يبقيك على قيد الحياة يرجع لهم وعلى بالرغم من معاناة الناس وظروف معيشتهم الصعبة وتدهور أحوالهم ماديا ومعنويا وإنسانيا إلا أنه يمكن بسهولة شراء ذمتهم حيث يجبرهم الخوف على التدليس والتزوير ويؤرق نومهم مشاهد أصدقائهم الذين راحوا ضحية اعتراضهم وعدم إذعانهم. بعضهم قد يؤثر الصمت كمدا منتظرا فرصة الرحيل من ذلك الوطن آمنا ويترك لهم الوطنية والأمن والاستقرار والنعيم المقيم بحثا عن وطن آخر يختبر فيه معنى الأمان الحقيقي ذلك الأمان الذي يفهمه ويعرفه بفطرته ويصبح آخرعهده بالخوف لحظة إقلاع طائرته من المطار إلا لو قرر العودة مرة أخرى!

 

وقع كلمة "أمن" في الشارع وطريقة تسويقها للمواطن

ستجد كل خدمة تقدمها الدولة القمعية للمواطن تسبقها كلمة "أمن" مثل الأمن الوطني والأمن القومي والأمن الحربي وأمن الدولة وأمن التجمعات والأمن الداخلي والأمن الخارجي وهكذا كما في كل العالم؛ الفرق أن في الدول القمعية كلمة "أمن" مرادفها خوف يعني شيء آخر عكس تعريف الأمن.. تماما!

 

الخوف مرادف للأمن، الحرية عكس الأمن، العبودية مقابل الأمن

ذلك التنظير يجعل الكثير من الناس تؤثر العبودية بالفعل غير متحيزين لدفاع أو قتال من أجل قوتهم أو دمائهم أو حريتهم سيختارون دوما الاستقرار المزيف الذي تسوقه الحكومات. يصدقون أنهم ينعمون بالأمن والأمان لأنهم يرون دبابة في الشارع ومدرعة أمام كل مبنى وكمائن التفتيش أو رجال بلباس عسكري في كل مكان يعلنون سيطرتهم على البلاد وحماية العباد يبحثون عن رافض أو معارض لسياستهم وحكمهم ينتشرون في كل مناحي الحياة ويسيطرون على كل درجات الوظائف وكأن المناصب لم تخلق إلا لهم، ولكن كيف سينعم الناس بالأمان وهم يفتقرون لأبسط المقومات التي تبرهن أنهم على قيد حياة كريمة كفلها الله لهم.

 

عن أي أمن وأمان سنهتف ونهلل.. هل يأمن الآن المرء على نفسه في وطنه عندما يخرج للشارع من الاعتقال التعسفي أو الإهانة أو سرقة أو تحرش أو اغتصاب.. هل يأمن المرء على نفسه عندما يذهب لقسم الشرطة مستنجدا طالبا للمساعدة أو الحماية هل سيجد من يمد له يد العون ويحل له مشكلته مهما كانت كبيرة أو صغيرة ويأتي بحقه، هل يأمن الإنسان على نفسه إذا خرج في الطريق راكبا سيارته أو في أي وسيلة مواصلات على طريق مهترئ وسائق متعد لا يردعه قانون يأمن العقاب بحفنة من المال ويسيء الأدب مع كل من يتحدث معه أو يحاول ردعه..  ما معنى الأمان إذا مرضت وكنت بحاجه لطبيب ماهر وعلاج فعال وسرير في مستشفى وسيارة إسعاف تنقلني بسرعة إذا لزم الأمر ولم أجد ربما لا آمن على نفسي لو دخلت أي مشفى سليما أعاني من خطب ما بسيط أخرج بالعدوى أو سرقة أعضائي أو إهانتي من طبيب يحمل بغضا وضغينة بسبب عدم حصوله على حقه؛ أليس من الأمان أن يتوفر لي ولأبنائي قوتا أولا يعيننا على الحياة ثم يكون هذا القوت طعاما صحيا آدميا قابل للأكل غير مسرطن ولا فاسدا مشبعا بالهرمونات والكيماويات فعندما أفكر في مبدأ الأمان في كل شيء نأكله أسأل نفسي عن احتمالية الإصابة بالأمراض عن مدى فائدة ذلك الطعام لي ولعائلتي وأطفالي، ما معنى الأمان إذا كنت تشك في الماء الذي نشربه والهواء الذي نستنشقه ومدى ضرره على رِأتيك وكبدك وكليتك.

 

هل نآمن على أبنائنا عندما نرسلهم إلى المدرسة أو الجامعة من ما قد يبني شخصيتهم ويعزز أخلاقهم وينمي قدراتهم هل آمن على عقولهم عندما أفتح لهم التلفاز ليشاهدوا فيلما أو برنامجا محليا يؤثر في ثقافتهم و بنائهم المعرفي وطريقة تفكيرهم.. هل آمن على نفسي عندما أعبر عن رأيي أو أساهم في علم ما أو أن أشارك المجتمع فكرة ما وأسوقها وأطلب دعم الدولة لها.. كيف سآمن على نفسي وعلى أبنائي من السرقة والقتل والخطف وتجارة الأعضاء واستحلال الحرام والرشوة والربا والإنحلال في وطن مهترئ أنهكه الفقر وسيطر عليه الجهل وانعدمت فيه العدالة وسفكت فيه الدماء وهاجر نصف من خيرة شبابه وحُبس في سجونه النصف الآخر! هل آمن على عقيدتي وحرية اعتقادي وممارسة الشعائر الدينية الخاصة بي وباعتقادي! الأمن والأمان مبدأ أوسع وأشمل بكثير جدا من مجرد لباس مموه ودبابة على رأس الشارع!

 

لنواجه أنفسنا بحقيقة المبادئ الإنسانية ومسؤولية تمسكنا بها والحفاظ عليها والثورة من أجلها كيف لا نفعل ذلك وقد حفظها الله لنا وأعطانا حق القصاص من كل من يسلبها منا الحقوق والمقاصد الإنسانية: العقل والنفس والمال والنسل والدين جعل الله تلك الخمسة مقاصد للشريعة وشرع لها الحدود لمعاقبة كل من تسول له نفسه التعدي على حق الآخر فيهم، المقاصد التي تؤسس للمدنية والحضارة التي تفرض مبادئ العدل والمساواة بين الجميع وتدعوا لمصلحة الفرد داخل جماعة انسانية متعاونه يعرف فيها كل إنسان حقوقه كما يؤدي ما عليه من واجبات.   



حول هذه القصة

هناك “ازدواجية المعايير” في السياسات الخارجية للديمقراطيات الغربية، وقد لا تبدو هذه السياسات مفهومة بالعالم العربي والإسلامي؛ عندما تتباهى بشعارات لا تتردّد السياسات ذاتها في انتهاكها في واقع الممارسة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة