مصر والإمارات.. شراكة ضد إرادة الشعوب

في نموذج العلاقة الإماراتية المصرية، تتجلي لدينا شبهات بعيدة جزئيا عن السياسية المتوازنة الرابطة بين دول العالم، ففي الوقت الذي تسعى فيه الإمارات إلى تحقيق أكبر قدر من المنافع، وبسط سيطرتها على عدد من دول المنطقة، تسعى مصر أيضا إلى منافع ضيقة الأفق، فلا مانع لدى النظام المصري أن يبيع أرضه ومواطنيه، من أجل تحقيق شرعية زائفة، ومساندة قوية في المحافل الدولية، وحفنة من الدولارات، التي من الممكن تحقيق أضعافها بقليل من الجهد والذكاء.

 

الإمارات بكل ما حباها الله من ثروات طبيعية وغيرها، دائما ما تنظر إلى ما يمتلكه الآخرون وتسعى للسيطرة عليه، لا سيما وأن نهضة دول بعينها تؤثر سلبا على نهضتها، التي يظنها البعض زائفة، فها هي تسعى إلى الاستحواذ على مشاريع قناة السويس، بعد أن حاكت المؤمرات لعزل رئيسا منتخبا، وها هي تبسط نفوذها على عديد من القطاعات الحيوية في مصر، بمباركة نظام السيسي وجنرالاته.

 

تدمير الاقتصاد

ما تفعله الإمارات في الاقتصاد المصري لا يقل فداحة على ما يفعله جنرالات الجيش، فكلا منهما يمتلك النفوذ والسطوة والمال الوفير، الذي يستحيل معه توافر عناصر الاقتصاد الحر، ومقومات سوق محلية عادلة، فالقوانين تحاك بليل ليخرج المستفيد منها نهارا، وبعد ساعات تغير لمنع استفادة الآخرين من أبناء الشعب.

    

   

وأبرز ما تشهده الساحة المصرية من تلك الصفقات المشبوهة، هو استحواذ شركة موانئ دبي الإماراتي على 49 في المائة من مشاريع قناة السويس، وذلك بالرغم من أن الشركة فشلت منذ 2008 في إدارة ميناء العين السخنة، التي تمتلك فيه 90 في المائة من الأسهم، وتدفع 670 مليون دولار للحكومة المصرية مقابل إدارته، وبعد هذا الإخفاق منحتها الحكومة المصرية الحصة الأكبر في مشاريع قناة السويس!

 

وما يشعرك بالريبة في ثنائية العلاقات المصرية الإماراتية، أنه منذ استحواذ موانئ دبي على ميناء العين السخنة، انخفضت الطاقة الإنتاجية للميناء من 570 ألف حاوية إلى 510 آلاف فقط، بعدما كان التعاقد على أساس أن يرتفع العدد إلى مليوني حاوية، وهو ما جعل الميناء غير مصنف دوليا وخارج قائمة أفضل مئة ميناء بالعالم، فهل يعمل النظام ضد مصالح مصر الاقتصادية؟

 

وبالرغم مما تشهده الإمارات من بشائر انهيار في الاقتصاد المحلي، وتراجع كبير في عدة قطاعات حيوية في مقدمتها قطاع العقارات، إلا أنها تسعى للاستفادة من دول الجوار عبر ضخ أموالا في قطاعات محددة، تعلم جيدا أن النظام المصري يفرغها من المنافسين لتكون ساحة لطموحاتها في المنطقة، دون إضافة أي قيمة تعود على المصريين بالنفع.

 

تسهيلات مجانية

وفي عالم الاستثمار الأجنبي غالبا ما يشتكي رجال المال والأعمال، من تعقيد قوانين البلدان الداعية للاستثمار، إلا في مصر التي تفضل قوانينها المستثمر الإماراتي خصيصا، على المواطن المصري، الذي لا يستفيد شيء من الأموال الإماراتية المستثمرة في مصر، وفي الوقت الذي يعزز فيه الاستثمار الأجنبي اقتصادات الدول، ويرفع من معدلات ضخ رؤوس الأموال الأجنبية، يشهد القطاع الخاص المحلي أجواء سلبية، لا سيما بعد أن عززت القوانين المجحفة الاحتكار، ومنعت الاستفادة من سوق حر يساهم في رفع مستوى معيشة المواطنين، لصالح رأس المال الإماراتي.

   

  

ويعود ما يفعله رأس المال الإماراتي في مصر بالسلب على القاعدة الشعبية العريضة من المواطنين، خاصة بعد دخولها القطاع الطبي، وسيطرتها على عدد من الشركات الكبرى، حيث استحوذت شركة أبراج كابيتل الإماراتية، على ١١ مستشفى خاص في مصر، بجانب أكبر معامل التحاليل الطبية، التي شملت البرج والمختبر، وبات المواطن في خطر، بعد أن يصبح القطاع في يد محتكر لا ينظر لتحقيق الربح، ومضاعفة رأس المال، بقدر ما ينظر إلى السيطرة والاستحواذ دون ضوابط.

 

وتزيد الأزمة يوما بعد يوم مع انهيار المستشفيات الحكومية التي تقدم جزء ضئيل من الرعاية الطبية للفقراء، إذ يهدد تحكم الشركات الأجنبية في أسعار الخدمات الصحية حياة الفقراء، لا سيما بعد أن تحفظت الدولة على مستشفيات خيرية كانت تقد الخدمات العلاجية للمواطنين، كما تأتي منظومة التأمين الصحي الشامل، والتي سيشارك فيها القطاع الخاص مع الحكومي لتزيد من سطوة رأس المال وتنحي العوامل الإنسانية جانبا.

 

وبالعودة إلى الممارسات الإماراتية في مصر، نجد أن رأس المال الإماراتي لا يتوقف عند قطاع بعينه، فهو ذو مساع شاملة، فما بين الاستثمار في القطاع الطبي ومنع تطوير الموانئ البحرية، يأتي دوره في تفريغ جزيرة الوراق من ساكنيها، ويدفع الحكومة دفعا للصدام مع الشعب، ومنحه الجزيرة التي تتوسط نهر النيل بمساحة 1600 فدان، في منطقة الوراق بمحافظة الجيزة، وتعد واحدة أكبر الجزر المصرية.

 

شراكة سياسية لقمع الشعوب العربية

وفي الشأن السياسي، تخوض الإمارات بشراكة مصرية صراعا إقليميا، ضمن مخطط بسط النفوذ الذي تتبعه الإمارات، بالتعاون مع النظام المصر، فالبرغم من أن حكومة الوفاق هي الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا في ليبيا، إلا أن مصر والإمارات قدمتا الدعم لخليفة حفتر الذي يقود مليشيات أطلق عليها الجيش الوطني الحر، نشرت حربا أهلية وهددت السلم والأمن الدولي، ويزيد الدعم العسكري واللوجيستي الذي تقدمه مصر والإمارات، من أزمات المنطقة التي تعاني صراعات عدة جعلتها بؤرة اهتمام لتجار الأسلحة وعصابات التهريب، إذ أن تواجد ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون، ليس أمرا جالبا للاستقرار، بل من شأنه تحويل ليبيا إلى ساحة صراع لبسط نفوذ أبوظبي وأيديولوجياتها وبرامجها المختلفة بمساعدة مصر ونظامها، ليصبحا ثنائيا ثالثهما الشيطان.

  

ويمثل التوافق المصري الإماراتي خطرا على شعوب عدد من دول المنطقة، وتحديدا الشعب المصري الذي يعاني من النفوذ الإمارات وسيطرته على كثير من القطاعات الحيوية، بخلاف وقوفه حائلا أمام تطوير بعض مصادر الدخل الرئيسة التي قد تغيير نمط معيشتهم وتصب إيجابا في تحسن الاقتصاد المصري، فمتى تتخلص مصر من تلك الشراكة المرهقة التي تقف حائلا أمام طموح المصريين السياسية والاقتصادية، وتنفض عن كاهلها أعباء الطموح الإماراتي المشين في المنطقة.



حول هذه القصة

أثّرت ممارسات الإمارات في سقوطها من عيون المسلمين والعرب، وعدم ثقة الشعوب بها، وقد كشفت الشعوب العربية خبايا كيد الإمارات، كما أنّ تصرفاتها السيئة انعكستْ على الواقع الإماراتي سلبيًا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة