لبنان راح يرجع.. الحراك اللبناني بعيون جزائرية

"تنئلعوا كلياتكن" أصبحت فجأة الهاشتاڨ الأكثر تداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي من مختلف الشباب العربي، أما اللبنانيون فمنشغلون بترديدها في حراكهم، ليس لديهم وقت للكلام عبر صفحات الفيس بوك لا علينا الهاشتاڨ كان بمثابة مساندة وتشجيع، لكنّه بعد يومين تحوّل إلى حملة استهزاء وكتابة تعليقات ساخرة حول ما يجري في الشارع من رقصات فلكلورية وصور سيلفي بين العشاق والأخلاّء، وصفها الكثيرون بالتحرر الزائد عن اللزوم، لكلّ شخص تعليقه فهناك من استهزأ وهناك من عاتب وهناك من وصف الحراك بمسلسل أو حفلة عرض أزياء أو بقصة روميو وجولييت.

 

هذا نقل لِمَ ورد من تعليقات جانبية، لكن على من يقع اللوم في نقل صورة واحدة فقط للحراك، أين دور الإعلام الحقيقيّ في هذا الشأن فالحراك شهد خروج فئات مختلفة واعية هدفها التغيير السلمي، أين هي كلمة الحق فالشعب اللبناني رغم تعدّده الطائفي إلاّ أنّه اجتمع تحت راية واحدة ونجح في لمّ شمل الشعب حول مطالب الديموقراطية، نعم نجح حتى الآن في توحيد صفوف مختلف العقائد باسم الوطن وهو ما عجزت عن تحقيقه الكثير من الدول العربية.

 

يجب أن يستوعب الشعب اللبناني بأنّه من عقل وفكر ويحتاج أن يعيش بكرامة، لا يحتاج لشخص ينتخبه ليُحرّكه في الاتجاه الذي يريد

لن أقول ثورة في لبنان فتلك مثالية وسذاجة لا يستوعبها المعنى، وكل من يقول ثورة يُعيد مراجعة سِجل المفاهيم التي مهما تعدّدت تتفق على أنّ الثورة تحتاج إلى الوقت والثورات من ناحية معينة صديقة حميمة للديمقراطية ولأنّ الصداقة مفهوم بدأ يفقد بريقه وعُمقه سنقول الديمقراطية لا تحتاج الى الثورة دائمًا وعليه فما يحدث في لبنان حاليا حراك لم يصل في عمقه إلى ما تتطلّبه الثورة، لكن مهما قلنا فالشعب اللبناني ذو تاريخ من المقاومة، هو الشعب الأكثر شجاعة في التعبير عن رأيه بحرية وعفوية فنجد الفنان يتحدث في السياسة وحتى الأطفال في المدارس والمسرحيات والأفلام ذات الطبيعة الكوميدية أيضا لها دور في تمرير الرسائل السياسية دون أن ننسى الإعلام اللبناني الذي أخذ تقريباً من كل حقلٍ زهرة.

  

 

لكلّ شعب ميزة وميزة الشعب اللبناني أنّه مليء بالحياة والعفوية، ورغم التعدد فهناك موقف مشترك جعل من الراية عنوان فخر للحراك المستمر، هكذا فجأة بدأ الحراك الشعبيّ في لبنان فخطف الأضواء عن كل ما يجري في المنطقة العربية من أحداث، إذ ركّز الإعلام العربي على مطالب الشعب اللبناني وكل ما نُغيِّر قناة تلفزيونية أو ندخل يوتيوب نجد العناوين المتصدّرة حول ما يجري ببلد الأرز والتحليلات السياسية التي لا تنتهي وكأننا سنساهم في بناء مجد جميع الشعوب، والحقيقة أن لكلّ دولة خصوصيتها.

  

لنفترض سيأخذ الحراك اللبناني بُعداً إيجابيًا فتتحقق مطالب الشعب أي سيتم الأمر في وقت قصير سيكون بمثابة صفعة في وجه النظريات الديمقراطية التي أسست على مدى عصور لمراحل ثابتة وكأنّها قوانين مقدسة لا يمكن الخروج عن إطارها، فعلا ستحدث طفرة لا تخص الوقت فقط بل تتجاوزه لبناء ديمقراطية تأخذ بالمعنى التام للتعدد الطائفي والعقائدي والثقافي فمختلف التجارب العالمية نجحت في التقليد وفرض الأمر الواقع على الشعوب، لكن لم ندرس بعد عن تجربة نجحت في لم شمل المجتمع المتعدد وترسيخ ديمقراطية ذات خصوصية فريدة من نوعها تحتوي الاختلافات في قالب واحد وكلّنا أمل أن ينجح الشعب اللبناني في إعطاء درس ثمين وأن لا تنقلب الأحداث وتأخذ مجرى بقية الدول العربية.

 

الديمقراطية ليست مملة للحد الذي تُركِّز فيه على الانتخابات فقط، ليست بتلك السطحية التي تنحصر في تكوين الأحزاب والحركات فقط، الديمقراطية أسلوب حياة قبل أن تكون شكل من أشكال الحكم، لذا فمن العقلانية أن نُطالب بحقنا في الحياة لا أن نُطالب بحقنا في رئيس، نعم للأسف نحصر الأبعاد المختلفة للديموقراطية في شخصية هي في ذاتها تتوق للحرية، فمن يجلس على الكرسيّ يُصبح عبدًا للجماعات الضاغطة واللوبيات العالمية المختلفة، يُصبح ماردًا للقوى الكبرى في العالم، كدمى الماريونيت تُحرّكها الأيادي في مختلف الاتجاهات، تلك الدمى لو كان لها عقل وفكر لما رضيت بأن تتحرّك وفق ما يُفرض عليها أي بمثابة تسلية فقط.

 

الحقيقة أننا كشعوب ارتشفت من بئر الشعبوية الكثير مؤخرا، فخرجت بالكثير من النتائج أهمها أنّ المشكلة تكمن في غياب الوعي

يجب أن يستوعب الشعب اللبناني بأنّه من عقل وفكر ويحتاج أن يعيش بكرامة، لا يحتاج لشخص ينتخبه ليُحرّكه في الاتجاه الذي يريد، نعم أغلبية الشعوب تعرف ذلك لكنها لم تستوعبه بعد، والوعي هو النقطة الضائعة في مختلف التجارب العربية، يتظاهر الجميع بالوعي فيرفع شعارات باهظة المعنى، يمشي مع التيار، يصرخ كما يصرخ الآخرون، لكنّه لم يجلس يومًا مع نفسه ويقول بصوتٍ مسموع ومفهوم ماذا أُريد، أنا أيضًا إنسان لي الحق في التعبير لست دُمية يتم شحنها بما يخدم فئة مُعينة، في كل حراك جماعات ماكرة وخبيثة تزرع الوعي الذي تُريده هي، هاذه الجماعات تُسيطر في النهاية وتصل لسدة الحكم برضا شعبي تام لأنها نجحت في جعله يحمل شعاراتها الخاصة، وتنئلعوا كلياتكن كيوت وحلوة ومهضومة لكنها تعبير شعبيّ عفويّ لن يبني دولة قوية.

  

الشعارات من الملهيات، والحقيقة أننا كشعوب ارتشفت من بئر الشعبوية الكثير مؤخرا، فخرجت بالكثير من النتائج أهمها أنّ المشكلة تكمن في غياب الوعي، ورغم ذلك نُعاند ونظن بأننا في قمة الوعي والحقيقة إنّ بعض الظن إثم، إن شاء الله يُحقِّق الشعب اللبناني مُبتغاه، يتدارك مرور الوقت، فيبحث عن ممثلين حقيقيين، يتقبّل أهميّة الحوار حتى يفهم عقلية المُسيطر لربما يجد ثغرات يتمكن خلالها من تحقيق شعار تنئلعوا كلياتكن والديمقراطية لا تتجسّد دون ذلك والحوار قد يأخذ منحى الصراع الفكري الإيجابي وعلى أساس ذلك تتهدّم الأصنام المُعشّشة داخل العقول، وبالتالي يحدث التغيير، وما لا يبدأ من الذات سينتهي مهما طال أو قصر.

 

تنئلعوا كلياتكن.. كلكن يعني كلكن اجعلوا منها شعارًا يشمل أفكاركم الخاطئة، وأنانيتكم المفرطة اجعلوا منه تغييرًا شاملاً، لا تكونوا نُسخة مقلّدة تحمل الشعارات وتلتقط السيلفي وتستمتع بوقتها من أجل أن تحصد اللايكات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ذاك افتراض قد ينقرض نتيجة فيروس فجائي، لكن الدول قد تنقرض بغتة بسبب فيروس يفتك بالوعي حين غفلة، بعد ذلك تأتِ شُعوب جديدة وتكنولوجيا جديدة، لكن سيبقى الحكّام القدماء بتحديث يتماشى والعصر ليستبدوا بأوجه تُواءِم التطوّر الحاصِل.



حول هذه القصة

رأيت خلال الأيام الماضية بعيون اللبنانيين واللبنانيات وجوه السوريين المنتفضين في الأيام الأولى للثورة، رأيت فيهم غياث مطر والآلاف من أمثاله الذين قضوا على أيدي من يهدد اللبنانيين بالقتل والإبادة،

صَدم اللبناني شارعه برفع سقف الغضب والمطالب، ليخرج مجاهرا برفضه للسلطة بجميع رموزها وأحزابها، مسقطا بلسانه وشعاراته ومقابلاته المتلفزة قدسية العهد العوني، والهالة التي قدمت الرئيس عون مخلّصا للدولة اللبنانية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة