طقوس العبودية في وظائف الشركات!

blogs أزدحام

لوحة عرض مواقيت وصول عربات المترو، يرتدون نفس البذلات تقريبا، منهم من يدخن سيجارة كلاسيكية، وآخرون قرروا أن "يرقوا" إلى مستوى التدخين الالكتروني، أغلب المدخنين نسوة، وذاك "إنجاز" يحسب لحركات الفيمينزم في الغرب، التي ناضلت فانتزعت "حق" المرأة في التدخين!

  

على حافة سكة المترو تقف جحافل العمال في انتظاره، في مشهد أجاد تصويره ستيف كوت في فيلمه القصير"Happiness"، وهو يمثل الأجير في مناخ الشركات الرأسمالية بفأر يمضي نهاره وهو يلهث وراء مال سرعان ما ينفذ مع سعار ولهيب الإغراءات الإشهارية. وكأن ستيف يسعى أن يمرر لنا ما فحواه إن المرء يفقد إنسانيته وسط هذه المنظومة الاقتصادية المغرية، كما تغري قطع الجبن الفئران قبل أن تفاجئها الفخاخ المنصوبة. هكذا هو حال الأجير العامل عند المؤسسات الرأسمالية يخال نفسه مستقلا اقتصاديا وحرا، والحق أنه عبد خاضع! ليس الخضوع هنا معناه قطعا العبودية على شاكلة القرون البائدة، الحديث هنا جار عن شكل آخر لها ربما كان اسوأ، مادام يقدم نفسه على شكل تحرر ورخاء والحق انه نقيض ذلك تماما.

  

يمضي الإنسان الحديث جزءا هاما من يومه وهو يخدم مؤسسة رأسمالية، من أجل أجرة ينفقها لكي يسد حاجياته الأساسية وغير الأساسية تحت وطأة تأثير الإعلانات التجارية

طوابير من ينتظرون قدوم المترو أو الحافلة طويلة، يرتدي العمال كل صباح طوال الأسبوع سترة العمل الرسمية، حذاء أسود لامع يحدث صوتا متى ما ارتطم جزءه السفلي بالأرض، وكأنها سمفونية فرقة عسكرية أثناء عرض. والزي شبه موحد: سروال ضيق وربطة عنق، قميص ومعطف مصنوع على المقاس، أما الوجهة فهي واحدة: فالكل يخطو نحو معابد الوظيفة.

 

في كل بلدان العالم المتقدم، هكذا يبدو مشهد الأجراء عند الشركات المتعددة الجنسيات بثياب شبه موحدة، وهم ينتظرون كل صباح بشيء من القلق قدوم المترو المكتظ عن آخره؛ في المترو اكتظاظ أحيانا لكن لا ضوضاء، فالنقاشات الجانبية التي قد يتجاذبها الناس في أوساط شعبية لا تسمع لها صدى هنا، كل واحد منشغل بهاتفه، أو بسماعات هاتفه. وتارة تلمح أحدهم وهو يتفاعل رقصا مع أنغام الموسيقى في عالم خاص به، وحدها أنصاف نظرات خاطفة هي من تجمع كل الركاب، لا يترك نمط الحياة هذا هامشا كبيرا للصدفة أو المفاجأة أو الارتجالية، فكل شيء يعد مسبقا، موعد عربات النقل معروف مواقيت العمل والراحة مضبوطة وكذلك نوعية الثياب الواجب ارتداءه بل وحتى حركات تعامل المرء مع زميله في العمل متعارف عليها، عبارات الشكر والإمتنان محفوظة وكأن الناس برمجوا على تلفظها بطريقة ميكانيكية.

 

يمضي الإنسان الحديث جزءا هاما من يومه وهو يخدم مؤسسة رأسمالية، من أجل أجرة ينفقها لكي يسد حاجياته الأساسية وغير الأساسية تحت وطأة تأثير الإعلانات التجارية التي يلمحها في كل مكان، في الشارع، في شاشات التلفزة، في الانترنت، قي المتاجر والأسواق. في كل مكان يحاول المنتجون استقطاب زبون من خلال إعلانات ملونة ومزركشة كتب فيها ما مفاده "استهلك أكثر، تسعد أكثر"، هكذا يبدو نشاط من يزاول مهامه أجيرا عند مقاولة ربحية مرسوما ومحدودا، فما يقضيه من وقت خارج أوقات العمل ليس سوى استعداد للعمل نفسه، فيصير بذلك جزء من الحياة مهابا لخدمة نظام اقتصادي مبني على مراكمة الربح المادي، يجعل من الإنسان عبدا مسترقا يخدمه حتى وإن بدا أنيقا وهو يرتدي ربطة عنق، ورائحة أبهى عطور باريس منه تفوح.

 

هكذا إذن تبدو الوظيفة في عالم الشركات أشبه بطقوس عبودية واسترقاق حيث كل شيء مرسوم على المقاس من أجل أن يظل المرء وفيا لمعبد الوظيفة، صار الحديث عن ريادة الاعمال والانخراط في مشروع شخصي حديث الخاص والعام في الآونة الأخيرة، في محاولة كثيرين للخروج من قوقعة العمل المأجور، وبين حلم الانعتاق من الاخير وسلطته كأمر واقع تفرضه منظومة متراصة، يجد الأجراء أغلبهم في وظيفتهم شرا لابد منه.