ثورة الابتكار وتقدم المجتمع

blogs روبوت

(إننا نرغب في اقتراح صيغة كيميائية للحمض النووي DNA)، كانت هذه جملة من رسالة صغيرة أرسلها العالمان واطسون وكريك في العام 1953 لمجلة نيتشر الشهيرة، مرفقة ببحث يقترح الصيغة التركيبية لهذا الحمض النووي، ولم يكن العالمان يتخيلان مدى التطور الذي سيحدثه ابتكارهما فيما بعد في تقدم العلوم الحيوية والطبية والصيدلانية وغيرها من العلوم الحياتية، لقد كان هذا الابتكار ثورة كبرى في العديد من العلوم والتي ظهر تأثيرها جليا في كافة التطورات الحاصلة حاليا مثل الخرائط الجينية وثورة العلاجات الحيوية ومقاومة السرطان والفيروسات والبكتيريا الخ.

 

الابتكار هو عملية إبداعية قد يقوم بها فرد أو مجموعة، ويمكن أن يكون في العلوم الاساسية أو التطبيقية أو تطوير المنتجات، لذلك فكل عملية ابداعية تسمى ابتكار، فاكتشاف النظريات العلمية الكبرى كالنسبية والجاذبية وميكانيكا الكم هي ابتكارات، وكافة الاختراعات التي غيرت حياتنا كالسيارة والكهرباء والهاتف والانترنت والمضادات الحيوية كذلك.

 

إن تطور المجتمعات وارتفاع النمو الحقيقي والمستدام للدول يتم بالتركيز على الابتكار والابداع العلمي، فبواسطة التقدم العلمي والابتكار تم تطوير التقنيات لاستخراج البترول والغاز الطبيعي من باطن الارض، وبه يتم تحديث منظومات المنتجات بصورة متسارعة كما نرى في السيارات والهواتف النقالة والأدوية التي يتم ابتكارها سنويا.

 

كلما كان الابتكار منظما كلما كان مستداما وقابل للزيادة، ووحدها البلدان التي تضع خططا استراتيجية حقيقية للتطور من ستكون لها المقدرة للولوج لمستقبل أكثر تقدما وتنافسية
الابتكار والبحث والتطوير

لابد أن تكون كل عملية ابتكارية نابعة من الابحاث العلمية، والاقتصاد المبني على الابتكار لابد أن يكون ذا قواعد ثابتة من معامل وأدوات وخبرات ومفكرين وتمويل مالي، من اجل استدامة الابتكار، وبذلك نجد أن الابتكار مشابه للبحث والتطوير، لذلك ما هو الفرق بين الاثنين؟

 

الابتكار هو عمل إبداعي يقود لإنجاز سواء كان من يقوم به فرد أو فريق عمل، وسواء كان عن طريق الصدفة أو مخططا له، أما البحث والتطوير فهو عمل منظم يقوم به فريق عمل وليس أفراد من أجل انجاز علمي يقود في النهاية لمنتج قابل للاستخدام، لذلك يعتبر كل عمل يقوم به فريق الابحاث والتطوير هو عمل ابتكاري، وليس كل ابتكار هو بحث وتطوير بالضرورة.

 

عندما بدأ توماس أديسون عمله كان يعتمد على أفكاره للحصول على اختراعات وبالتالي كانت أعماله تندرج ضمن بند الابتكار وليس البحث والتطوير، وعندما قرر تطوير أعماله الابداعية بتوفير فريق عمل وتجهيز معمل متكامل للابتكارات عام 1876 في مينلو بارك وهو المختبر الذي خرجت منه معظم اختراعاته، ومن خلاله قام بتسجيل كافة الابتكارات التي تمت في هذا المختبر باسمه بغض النظر عما إذا كان هذا الاختراع هو من بنات أفكاره فعلا أو قام به أحد العاملين لديه، مما أدى لظهور موجة كبرى من الانتقاد لأديسون من العديد من الناس ومنهم المبتكر العبقري نيكولا تيسلا الذي عمل لدى أديسون فترة من الزمن ثم تركه انتقادا لأنانيته ونسبته كافة الاعمال الابتكارية التي تتم في معامله لنفسه وتسجيلها باسمه.

 

لكن ما يحسب لأديسون ليس فقط الاختراعات التي قدمها للعالم وعلى رأسها المصباح الكهربي، ولكن كونه صاحب أول مختبر للبحث والتطوير على مستوى العالم والذي قام بإنشائه من أجل التطوير فقط وليس من أجل الانتاج كما كان يحدث سابقا. لذلك كانت بداية أديسون ابتكارية غير منظمة، ثم انتقل للابتكار المنظم عبر البحث والتطوير.

 

في العصر الحديث

لازال للابتكار الفردي أهمية كبرى في الانجاز والاختراع والتقدم، لكن تطور البحث والتطوير كعلم وتطبيق أدى لظهور مراكز خاصة به على مستوى العالم المتقدم، وكذلك الدول النامية، واصبح البحث والتطوير لديه كشافته مثله مثل الكشافة في كرة القدم، ففي كافة الاندية الكبرى لكرة القدم توجد أكاديميات وكشافة تبحث عن اللاعبين المتميزين صغار السن حول العالم وتستقطبهم للعب لديها، ثم تقوم بعد ذلك بالاستفادة منهم، وبالمثل تقوم الشركات الكبرى ومراكز البحث والتطوير بالبحث عن الكفاءات وصغار السن ذوي الافكار المبتكرة لاستقطابهم والاستفادة منهم، ويتم تطويرهم وترقيتهم للحصول على أفضل عائد فكري، وتعتبر الجامعات والمعاهد أكبر المناجم لاستقطاب هذه الكفاءات.

 

الابتكار ضرورة حتمية لكل من يريد التقدم، وكلما كان الابتكار منظما كلما كان مستداما وقابل للزيادة، ووحدها البلدان التي تضع خططا استراتيجية حقيقية للتطور من ستكون لها المقدرة للولوج لمستقبل أكثر تقدما وتنافسية، أما البلدان اتي لا تهتم بالابتكار والبحث والتطوير ولا تهتم بكفاءات ابنائها العقلية والفكرية فستظل تعيش كمستهلك فقط، وهذا هو عين الفشل.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة