شعار قسم مدونات

في نقد الفن والثقافة والحداثة

blogs كتب

تختلف تعريفات وتأصيل الثقافة بين مثقف وآخر، ولكن يمكن تلخيص تعريفاتها بأنها الوجه غير المادي للحضارة، وهي مجموعة القيم والمعارف والعادات والتقاليد التي يتبناها ويجمع عليها المجتمع بشكل ضمني، أما المثقف فهو من يعالج ويتناول بالتحليل والنقد تلك القيم والمعارف ويكون ملماً بها، في حين إن الحداثة هي الثورة على كل ما سبق أو على الاقل وبشكل أبسط. تحديث ما سبق، ولكن ما يثير الانزعاج في المشهد العربي هو غلبة وسيطرة أو بمعنى أدق اختطاف الثقافة من قبل الحداثة، فنجد المثقف هو الحداثي أو من يستخدم مصطلحات ورموز لا يفقهها "العامة" وهم أي المثقفون يشددون كثيراً على مصطلح العامة كنوع من خلق حاجز بين المثقف ورجل الشارع.

  

نلاحظ في واقعنا العربي تلك السيطرة على المشهد الثقافي، من الشعر إلى الأدب إلى الفنون التشكيلية، جميعها تم مزجها بمصطلحات ومفاهيم وأسلوب حداثي مغرق في الغموض، وحتى النقاشات الأدبية أصبحت لا ترقى إلى نقاشات ثقافية معتبرة إلا إذا عقدت في صالونات أدبية رفيعة المستوى، لا مكان فيها للشخص البسيط الذي لم يقرأ لرواد الأدب الروسي والانجلوسكسوني، والجاهل بالمدارس الأدبية والفلسفية الغربية، ولم يطلّع على مسرحيات شكسبير، ولا يستطيع الخوض في تحليل شخصية الملك كلوديس في مأساة هاملت.

 

لا تنفك تستمع إلى مقابلة لأحد الفنانين أو الفنانات "وما أكثرهم" إلا ووجدته يتحدث عن الرسالة، وأنه صاحب رسالة أو أن الفن رسالة! ولكن ماهي الرسالة؟ لا أحد يعلم

دائماً ما يدور في ذهني سؤال.. لماذا لا ينظر مجتمعنا إلى الراوي الشعبي كمثقف، أو شاعر "القلطة" والذي يتناول ويعالج قضايا اجتماعية كمثقف هو الآخر، ماذا عن صانعة السدو، لماذا لا تعتبر كالفنانة التجريدية، فهي تحيك أشكالا فنية رائعة الجمال تتطلب دقة ومهارة عالية، وعوداً على الفن التجريدي فهو من أكثر ما يثير حيرتي وتساؤلي حول مكمن الابداع فيه، فكيف تتحول خطوط وضربات فرشاة إلى السبر في أغوار النفس البشرية وتعالج قضايا اجتماعية حساسة ناهيك عن إبراز مأساة الفنان ونظرته للحياة، وكذلك الفن الانطباعي وغيره من الفنون التشكيلية الغامضة، ناهيك عن الشعر الحداثي والذي يرتبط الابداع فيه بعدم التقيد بمرجع أو قاعدة محددة، بل هو حر طليق يحدد قيمته وإبداعه ما يخفيه الشاعر في مكنونات نفسه، وزقزقة العصافير وزهرة اللوتس.

 

المخرج عاوز كده

أما الفن فمأساته أكبر، فلا تنفك تستمع إلى مقابلة لأحد الفنانين أو الفنانات "وما أكثرهم" إلا ووجدته يتحدث عن الرسالة، وأنه صاحب رسالة أو أن الفن رسالة! ولكن ماهي الرسالة؟ لا أحد يعلم، فالنقاش مع المنتج يدور حول الأجر، والإعلانات التجارية هي من تحدد أي الممثلين أجدر لتقمص هذا الدور أو ذاك، ونتيجة لتغول الرأسمالية على كل مناحي الحياة، أصبح مبدأ الربح والخسارة هو ما يحدد "رسالة" الفن، وتغيرت المفاهيم والمصطلحات، فأصبح التهريج كوميديا، وأصبحت السينما تنحصر في الأفلام الهوليودية التي تمجد الشخصية الأمريكية وتروج لها، أما المسرح فللأسف تحول لعروض كوميديا ارتجالية وتهريج واستهزاء لإثارة الضحك فقط، وحتى مسرح الطفل فإنه لا يعدو كونه رقصات فارغة من المحتوى وموسيقى وإبهار بصري لا أكثر، ونتيجة لذلك أصبحنا غارقين في السطحية، وأمام مسلسلات وأعمال فنية لا يتابعها وينبهر بها إلا المراهقون، والاستثناءات لا تكاد تذكر.

 

وأمام هذا الوضع وسيطرة فئات محددة على الأوساط الفنية والثقافية وحراستهم لبواباتها، وجد الشباب متنفس لهم في التقنية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، ولأن الإناء لا ينضح إلا بما فيه… وجدنا أغلبية رواد تلك الوسائل ليسوا بأفضل من سابقيهم، فانتشرت السطحية والتهريج انتشار النار في الهشيم، والفينا أنفسنا نقف أمام مشهد جديد تغلب فيه السفاهة على المحتوى الجيد، وأصبح التأثير والإبداع ينحصر في الترويج للمطاعم والعطور والحث على السلوك الاستهلاكي المبذر والمبتذل، وللأسف أصبح مشاهير تلك المواقع أباطرة الإعلام الحديث يتحدثون في الملتقيات عن نجاحهم وكفاحهم ويكرّمون كمؤثرين في أوساط الشباب، وبالتالي أصبح التهريج سلعة رائجة وهدف في حد ذاته يحقق الصيت والغنى في آن واحد، وصارت شطيرة البرغر التي أعلن عنها تحكي قصة نجاح وكفاح وتفاني.

 

معرض الكتاب

أما خير جليس في الزمان فقد انتهك عرضة وأهين شرفه، وتلقى الصفعات رغم ضعف حاله.. واستُغني عن وريقاته الذابلة بالتكنولوجيا الحديثة، ورغم قلة جلساءه وندماءه إلا أن صحبته أهينت وتنمر عليه البعض في عقر داره.. فمعارض الكتاب أصبحت تعج بدور الكتب التي لا تبيع إلا دفاتر التلوين والقرطاسية، ورفوف بعضها الآخر امتلأ عن بكرة ابيه بالروايات الواتسابية.. وأعني بها تلك الروايات التي تغلب على لغتها لغة الواتساب والمحادثات، فالكل أصبح يتجرأ على الرواية وأصبح الكل راوياً يذيل روايته بتوقيعه واهدائه للمعجبين، روايات تفتقر لأبسط قواعد الكتابة الروائية.. فلا حبكة درامية ولا لغة سليمة، مجرد كلام مبعثر أشبه بالسيناريو منه للرواية.

 

أما القرطاسيات ومحلات اللوازم المدرسية أصبحت تسمى مكتبات، تبيع بدل الكتب والمراجع دفاتر التلوين والأقلام وشنط المدارس، وأشهر تلك القرطاسيات اختارت شعارا لها بأنها "ليست مجرد مكتبه"!! وكأن المكتبة عار تحاول التخلص منه وتنفيه عن ذاتها.

 

فهل نحن بحاجة لإعادة النظر في واقعنا الثقافي والفني والأدبي؟ وهل لابد للمؤسسات الرسمية من دور في توجيه الدفة ووضع يدها على مخرجات الثقافة والفن والإعلام الجديد.. أم نترك الحبل على الغارب وفق مبدأ العرض والطلب وحرية السوق ليكون الإنتاج الأدبي والفني والثقافي مرهون بمقولة " المخرج عاوز كده"!! أم يحدده ما يريده الجمهور والذي اختل ذوقه نتيجة ما عايشه من تردي للمعطيات.