السودان بين أزمة النخب السياسية والجيش

ظل السودان لعقود طويلة يعاني من الأزمة السياسية الناتجة عن ولوج العسكر في المسار السياسي مكونين قوة ضاربة ومؤثرا ينخر في عظم الديمقراطية مما أنتج ضعفا واضحا على مستوي مؤسسات الحكم المدني ومنظماته المختلفة وبالرغم من الأحزاب السياسية تنادي بالشعارات البراقة مثل الحرية والعدالة إلا أنها لم تتواني أن تصعد على ظهر الدبابة نحو القصر الجمهوري لتعتلي سدة الحكم وتضرب بيد من حديد على معارضيها.

  

إذ كانت المواجهات الحزبية – الحزبية سببا في فشل الاستقرار الديمقراطي حيث إن العامل المشترك بين الانقلابات العسكرية الثلاث هو الحالة السياسية والتنازع الحزبي الذي أضعف المقومات الأساسية للحكم ويبدوا أن ذلك يرجع لطبيعة الأحزاب السياسية التي لم تكن تقدم المصلحة الوطنية على المبادئ الحزبية الضيقة والتصارع على السلطة وهو ما حدا بالوضع الاقتصادي للتدهور فقد عجزت حكومة ما بعد الاستقلال التي تكونت من النخبة المؤسسة للخطوات الأولي في عهد السودان المستقل أن تتجاوز التناوش الحزبي بين الأقطاب المتعددة حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي وحزب الشعب مما أسقط البلاد في وضع اقتصادي متدني ليطلق الجيش رصاصة الرحمة أو رصاصة موت الديمقراطية.

  

من الأمور التي تسترعي الانتباه أن كافة الانقلابات العسكرية تلك تم إسقاطها بثورة شعبية في 1964 و1985 و2019 وأن السودان لم يحظى بدستور دائم في فترة الديمقراطية

ومما يبدوا الانقلاب العسكري المبكر في العام 1958 الذي أسس لحكم شمولي عسكري برئاسة الفريق عبود بعد الضوء الأخضر من عبدالله خليل رئيس الوزراء آنذاك هو الذي مهد الطريق لتدخل الجيش في الصراع نحو السلطة وكأنه تعبير عن عجز الأحزاب الواضح ليؤسس لديكتاتورية أولي جعلت من المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو صاحب السلطات التشريعية والقضائية وتم تكميم الأحزاب وإغلاق أصوات الصحافة حتي تم إسقاطه في ثورة أكتوبر 1964.

 

بعد عودة الأحزاب إلى السلطة لم تفهم الدرس أو تقدم أطروحات ذات شكل فعال وظلت الحكومات الائتلافية المكونة من أحزاب متناقضة ذات خلافاتها مستمرة ومؤثرة وواضحة عبر الصحف مما بدد الحالة الثورية والنشوة بالحرية التي تحققت مما مهد للنميري أن ينقلب على الديمقراطية في 1969م وترنح السودان حينها في عهده بين أقصي اليسار إلى أقصي اليمين مؤثرا على مجريات الحياة السياسية حتي سقط الحكم العسكري الثاني إثر انتفاضة إبريل 1985 مما حدا مجددا للأحزاب السياسية أن تطفوا على الساحة وتمارس التخبط في ظل غياب تام للرؤية المستقبلية حتي أن الجيش متخطيا وزير الدفاع بعث مذكرة مباشرة لرئيس الوزراء السيد / الصادق المهدي يشكو من حرب الجنوب آنذاك وضعف الإمدادت التي يتلقاها الجيش السوداني مما كان إرهاصا لتجدد لعنة الانقلابات العسكرية في يونيو 1989 ليقودها البشير لثلاثين عاما بدعم من الإسلاميين ليسقط بثورة ديسمبر المجيدة بتقدم الجماهير إلى القيادة العامة في 6 أبريل 2019 لتستجيب قيادات المؤسسة العسكرية في 11 أبريل 2019 .

 

ومن الأمور التي تسترعي الانتباه أن كافة الانقلابات العسكرية تلك تم إسقاطها بثورة شعبية في 1964 و1985 و2019 وأن السودان لم يحظى بدستور دائم في فترة الديمقراطية وأن النخبة السياسية التي أدمنت على صراع السلطة هي التي أدخلت الجيش في معادلة السياسة بل وحفزته وجعلته أحد العوامل المؤثرة طيلة العهود الماضية بل والأدهى والأمر هو سطوة العسكر على كل مجريات الحكم في السودان طيلة عقود طويلة جعل العقلية العسكرية تظن أن لها الأولوية في السلطة وأن لها القدح الأكبر والأحقية الأولي لتولي قيادة البلاد وفي الواقع هذه العقلية لا تزال موجودة حيث أن كل من الفريق عبود ولا صنويه نميري والبشير ليس لديهم شك أن السلطة هي حق شرعي لهم وهذا ما جعلهم يتعاملون مع المعارضة السياسية بصلابة وعنف فحتي الزعيم إسماعيل الأزهري لم يحظ بما يليق به في فترة النميري ولم تشفع له سيرته الذاتية في تعاطف العسكر معه وتميز كل من النميري والبشير على عبود بالأدلجة الفكرية التي أدت إلى تعاون الأحزاب معهما في تسيير برنامج حزبي يقوم العسكر بحمايته وفرضه بالقوة إن لزم الأمر ..وهذا مما أثر بشكل واضح على النظام العسكري السياسي فدخلت العناصر المدنية في الحكم العسكري على أن يكون رأس الأمر للقائد العسكري الذي نصب نفسه رئيسا للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة .

 

لنستمد العبرة من التاريخ فالسودان الذي فشلت فيه النخب السياسية والعسكرية على حد سواء لم تستطع أن تقدم نموذجا مثاليا فبالرغم أن السودان به من العلم والثقافة والفكر والأدب إلا أن العجز السياسي أعاق كثيرا من التقدم الفكري في نواحي الحكم والخدمة المدنية ولم نري أي فكرة أو أطروحة يتم تطبيقها بمعزل عن المنحنيات السياسية والأيدولوجيات المتصارعة فالصراع الفكري واختلاف الأطروحات الحزبية عطلت التوافق على ميثاق يلتف حوله السودانيون.

 

الفراغ الموجود بين كل من القاعدة الجماهيرية والحزب هو مساحة كبيرة جدا لم تتغير هذه المساحة طيلة العهود السابقة فلا يوجد حزب لديه الشعبية المطلقة
هل الأحزاب السياسية قادرة على إدارة البـلاد؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نستصحب نقاط هامة تعاني منها الأحزاب السياسية في السودان منها الجمود الحزبي الهيكلي /الفكري للأحزاب حيث أن حزب الأمة والاتحادي بصفتهما حزبين عريقين إلا أن الحزبين لم يخرجا من إطار العائلتين فالصادق المهدي على سبيل المثال كان رئيسا للوزراء في عام 1969 وما يزال رئيسا لحزب الأمة حتي تاريخ كتابة هذا المقال ودفع بابنه عبدالرحمن ليكون مساعدا للبشير بعد اتفاق ضمني في حين لا يزال عثمان الميرغني رئيسا للحزب الاتحادي منذ العام 1968 وتولي ابنه حقيبة الاتصالات في عهد البشير أيضا .ولم تبرح الأحزاب السودانية الأخرى مكانها ومع أن الحزب الشيوعي السوداني الذي عرف بشراسته في قيادة الإضرابات عبر تغلغله في النقابات العمالية في ظل حكم عبود والنميري لديه وجود في قائمة الأحزاب السودانية إلا أنه لايزال يقود نفسه بالعقلية القديمة والمدرسة الماركسية وذهب بعض أعضاءه منضوين تحت الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق .

  

وعلى الصعيد الآخر فقد قتل المؤتمر الوطني صوت الأحزاب الإسلامية واحتكره وإن تشكلت بعض الأحزاب من رحم المؤتمر الوطني نفسه مثل المؤتمر الشعبي والإصلاح وقد ظل الإخوان المسلمين يمارسون نشاطهم بالرغم من أن هذا النشاط ليس كبيرا على مستوي القاعدة الجماهيرية، وظهرت في عهد البشير أحزاب الفئة الجغرافية مثل حركة تحرير شرق السودان والمنبر الديمقراطي لجبال النوبة وحركة العدل والمساواة والعامل المشترك هو المناداة بحقوق المناطق التي تعتبر مهمشة من وجهة نظر هذه الأحزاب.

 

ومن ناحية أخري فإن الفراغ الموجود بين كل من القاعدة الجماهيرية والحزب هو مساحة كبيرة جدا لم تتغير هذه المساحة طيلة العهود السابقة فلا يوجد حزب لديه الشعبية المطلقة وهذا هو السبب في عدم حصول حزب على الأغلبية المطلقة في البرلمان إبان العهد الديمقراطي مما أضطر الأحزاب لتكوين حكومة ائتلافية وهذا يدل على أن الخطاب الحزبي فئوي يخاطب فقط أنصاره من ذات الفئة بدون أن يحتوي الخطاب على الشمولية المستحقة لعقلية الأغلبية.

 

ختاما يبدوا أن قدر السودان أن يدور بين رحى الأحزاب والعسكر بالرغم من الدروس التي قدمها الشعب للنخبة الحاكمة إلا أنها لا تزال في غيها القديم فستظل النخبة مدمنة على الفشل حتى تخرج من الجماهير الثائرة وجوها جديدة وأجساما جديدة خالية من التناقض الفكري مؤسسة لفهم جامع يقود البلاد لبر الأمان ولتذهب البندقية لحماية الوطن وتذهب الأحزاب إلى محاكمات فكرية تراجع نفسها وترتدي علم الوطن.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة