الألم يصنع الإنسان ويفجر الإبداع

يتألم الإنسان في حياته كثيرا، تنتابه هواجس الغضب، ينتقل من مرحلة إلى أخرى، يكتشف الأخطاء التي يرتكبها، ربما يتعامى ويغضّ الطرف عنها، وربما يتفاعل معها لأنها لم تنهك حياته، لم تأخذ من وقته إلا قليلا، وقد لا ينتبه لها الآخرون رغم أنها جسيمة في نفسه، يتوجّع الطرف المتألم، يكبت ألمه، لا أحد يواسيه في مصابه، ربما هي الحياة تغيرت هل هي العولمة بقي يظنّ أن العالم تغيّر، حوّل وجهته.

  

لم يعد الجاني يهتم لنظرات الآخرين المريبة نحوه، استسهل الجرم فصار مألوفا عنده بل أصبح لا يبالي، يتحسّر المكلوم والمغلوب، يفرز تنهّدات عميقة تخرج من أقصى الفؤاد تعبيرا عن حزن بدأ ينتشر ويعم الجوارح كلها، يبحث عن الأمل فلا يجد إلا الألم يتصدر المشهد، حاول أن يغيّر حاله لكن حاله تفرض عليه أن يبقى في دائرة الألم وإلى الأبد، استسلم أخيرا للألم فوجد فيه مُتعة، لأنه عوّده على جميل اسمه الصبر، ولأن الصبر جميل قال سيدنا يعقوب عليه السلام عندما فقد ولديْه يوسف وأخيه، فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون.

  

كل من لا يتألم لا يبدع، وإن أبدع بدون ألم يكون إبداعه مبتورا منقوصا لا متعة فيه، ومن لم يتلذذ بالألم لا يشعر بمتعة الإبداع، ومن لم يذق مرارة الألم لا يشعر بالسعادة

يتألم الإنسان وذلك قدرٌ محتومٌ، لأن الله عز وجل خلقه في الدنيا ليعيش المتناقضات، فيحزن ليفرح، ويتألّم ليأمل، ويخاف ليأمن، ويموت ليحيا، تلك هي معادلات الوجود والفناء، لن يستطيع بشرٌ القفز على هذه المعطيات لأنه في الأصل قاصرٌ على تغيير المشهد، إذ كيف يغير وهو المجبول على فعل هذا أو ذاك ليس لديه خيار آخر غير الحياة أو الموت، فإما أن يحيا عزيزا رغم الألم وإما أن يموت ذليلا وقد غمّه الألم.

 

يحتاج الإنسان إذا إلى أسلحة لمواجهة الألم، لأن طبعه يرفضه فهو لا يرتاح أبدا في وجوده، يسبب له صداعا مريرا، يفتك بعقله وجسده ليلا ونهارا، يرصد كل خلية فيدمرها تدميرا بطيئا، ومع ذلك يرفض تناول المسكنات والمهدئات، يمدد جسده على الفراش يضع يده على جبهته فيجدها ساخنة تفور منها حرارة تغلي غليان الماء تحت فوهات النار المشتعلة، تُرى ما الذي يطفئ هذا اللهيب سوى الوجع نفسه عندما يغيب، عندما يعلن الهزيمة بعد أن ألحق بثورا واضحة على الوجه كأنها فقاعات تبشر بانفراج ولو بسيط.

 

فالألم محبوبٌ وإن كان مكروها، ألم تقرؤوا قول الله تعالى:"وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" ليست فلسفة ولكنه مكرمة من عند الله رب العالمين الذي خلق كل شيء بقدر، فالحقنة مثلا مؤلمة في ظاهرها لأنها تخز الجسم وتؤلمه، ولكنها نافعة جدا للجسد الواهن الذي يبحث عن خلايا جديدة تجدد مناعته أو تحسِّنها، ولا يبدو أنها تتحسن إلا بالألم، ليبقى الألم عنوان الانتصار على النفس الموهومة بالكبرياء والفوز

 

يشهد التاريخ على صحة هذه النظرية الفطرية في الإنسان ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولذلك قيل إن الإبداع لا يكون في شيء إلا دليلٌ على أن صاحبه تجرّع الألم صغُر أم كبر، فرحم الإبداع لا يقبل جنينا مشوّها، ولا يستقبل إلا نطفة مؤلمة تبحث عن بويضة تشاطرها الرأي ليتم التلاقح ويحصل الإبداع، ويظهر الجنين المتألّم ولولا ألمه لما بكى.

 

كل من لا يتألم لا يبدع، وإن أبدع بدون ألم يكون إبداعه مبتورا منقوصا لا متعة فيه، ومن لم يتلذذ بالألم لا يشعر بمتعة الإبداع، ومن لم يذق مرارة الألم لا يشعر بالسعادة، فالقيام لأداء صلاة الفجر في جماعة مثلا يحتاج إلى عناء كبير، لأن ألم القيام علقم كبير وعقدة تكبّل روح الإنسان ويشغلها عن التفكير في مثل هذا الواجب في وقت يتلذذ فيه بنوم عميق، إن استسلم لشيطانه سيزداد تدثّره بالفراش وإن قام نافثا كل وسوسة ارتعدت فرائص الإبداع وانتفض الجسد معلنا الحرب على النفس الأمارة بالسوء، لا يشعر حينها بالمتعة إلا بعد انقضاء الصلاة، أخرها المولى سبحانه وتعالى لحكمة أرادها، وكل الذين يؤدونها يدركون هذا المعنى الجميل وهو يرفرف في عالم الروحانيات الجميل المليء بالنشاط والحيوية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة