شعار قسم مدونات

من أجل هذا استوعب الرئيس السادات المجتمع مبكرا عن أقرانه

blogs أنور السادات

نستطيع أن نستعير من العلوم التطبيقية (كالطب والهندسة والصيدلة) وصفًا متداولًا نصف به محصلة التكوين الذي حظي به ذلك الضابط الشاب الذي أصبح فيما بعد هو الرئيس السادات، فنقول إنه كان تكوينا نظريا وعمليا في الوقت نفسه.. بل ربما يمكننا القول إنه كان تكوينا عمليا أكثر منه نظريا.. ونحن نرى في كثير من الزعماء المعاصرين لأنور السادات أو السياسيين المعاصرين له.. أنهم أمضوا وقتا طويلا من حياتهم في دراسات نظرية تتعلق بالمفاهيم التي يريدون إرساءها أو الأفكار التي يرمون إليها.. أو المثل العليا التي ينشدونها.. أو الطرق التي ينبغي لهم أن يؤثروا بها في الأحداث.. أو ما إلى ذلك كله.. لكن الرئيس السادات كان صاحب تكوين متفرد بين هؤلاء المعاصرين له جميعا.. فقد مارس أكثر ما يمكن لمثله من ممارسة عملية في الوقت الذي كانت أفكاره النظرية تتبلور وتتعدل.. وأحيانا ما كانت تتعدل إلى النقيض مما بدأ به.

  

انضوت وانطوت في تكوين الرئيس السادات أيضًا ممارسات فدائية.. وممارسات يمكن القول بأنها استثنائية.. وممارسات تجريدية.. ومضى في خطوات كثيرة جدًّا لا يمكن حصرها، مما هو مكتوب أو مسجل في التاريخ الخاص بتلك الفترة.. ولكن يمكن تأملها والوصول إليها واستنتاجها مما رأيناه في خبراته اللاحقة في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي وفي إدارة صراعات متعددة.. وكانت قدرات السادات بارزة في إدارة الصراع، سواء في ذلك الصراع الداخلي والصراع الخارجي على حد سواء.. وسواء في ذلك تعاملاته مع القوى الداخلية أي مع القوى السياسية المحلية المحيطة به.. وتعاملاته مع القوى السياسية الخارجية.. في الحالين كان السادات جديرًا بوصفه بأنه رجل دولة ورجل سياسة. فقد استفاد من خبرات عديدة ومتنوعة مارسها بنفسه.. ومن الإنصاف أن نقول أن هذه الخبرات كانت مكلفة للرجل فقد دفع ثمنها من حريته.. ومن حياته.. ومن رزقه.. ومن مجده.. ومن صحته.. فيما قبل الثورة.

 

إذا ما تعرضنا لموقف أنور السادات وكثير من العسكريين المصريين في الحرب العالمية الثانية التي قدر لهم أن يشهدوها وهم ضباط ناشئون، فإنه ينبغي لنا أن نفهم أن الحرب العالمية الثانية عندما بدأت وجدت في جميع أنحاء العالم طائفة من العسكريين القدامى الذين شهدوا الحرب العالمية الأولى وشاركوا فيها وكانت في أذهان هؤلاء العسكريين الذين شهدوا الحرب العالمية الأولى أو شاركوا فيها بعض بقايا مما انتهت إليه هذه الحرب.

 

ونحن نعرف أن كتب التاريخ لدينا تنقل تاريخ هاتين الحربين العالميتين عن كتب التاريخ المكتوبة في الغرب.. فلا تنتبه بما فيه الكفاية إلى حقيقة المصيبة التي حاقت بالعالم الإسلامي في الحرب العالمية الأولى، وهي تفكك أو تحلل أو انتهاء دولة الخلافة الإسلامية.. هذا الهدف سعى إليه الغرب طوال سنوات بل طوال عقود وقرون، لكنه تحقق له أخيرًا كنتيجة من نتائج الحرب العالمية الأولى.. وقد تحقق هذا الهدف نتيجة أن دولة الخلافة الإسلامية انضمت إلى الجانب الذي أصبح في نهاية الحرب خاسرا.. مع أنه لم يكن خاسرا في البداية، ولكنه أصبح خاسرا في النهاية.. وهو الجانب الألماني.

 

ظل السادات معتقلا طيلة عهد وزارة الوفد.. وعندما انتهى عهد وزارة الوفد في أكتوبر 1944 أفرج كل حزب من الأحزاب المشتركة في الائتلاف الذي أعقب وزارة الوفد عن المعتقلين الذين كانوا من حزبه

هذه التجربة ذات النتيجة المريرة كانت تعكس آثارها في نفسية العسكريين القدامى، حتى لو كانوا ضد الدولة العثمانية نفسها، وحتى لو أنهم كانوا يفتقدون الوعي بالخلافة وأهميتها.. وكان هؤلاء يؤثرون بهذه المشاعر على الضباط الشبان من أمثال أنور السادات.. ولسنا نستطيع أن نفصل القول في نفسية العسكريين الشيوخ من أمثال عزيز المصري ورأيهم في التحالفات الدولية.. لكن المؤكد أنهم خرجوا من الحرب العالمية الأولى بشعور غير شعور المنتصر، وبإحساس أقرب إلى الحزن والندم.. وربما كانت مشاعرهم المعادية لبريطانيا والموالية لألمانيا تعبيرًا عن نفسية حزينة قبل أن يكون تعبيرًا عن عقلية طموح أو مغامرة.

 

وعلى سبيل المثال، فإن الفريق عزيز المصري عندما تعرض للمحاكمة في أثناء الحرب العالمية كنتيجة لمحاولته الهرب، وهو ما أدى إلى القبض عليه ثم محاكمته، فاجأ المحكمة بالقول بأنه كان يقوم بمحاولة عسكرية سرية بتكليف من المخابرات البريطانية.. ومع أن هذا في ظاهره مناقض للفكرة العامة، فإنه في نفس الوقت كان واردًا.

 

وإذًا فقد كانت هناك حبال سرية بين هؤلاء وبين المخابرات البريطانية والمخابرات الألمانية في نفس الوقت.. أو كان هناك الحد الأدنى الذي يستطيع به المغامر الذكي من قبيل أو من طبقة عزيز المصري أو من طبقة أنور السادات أن يحتفظ بخطوط هنا وخطوط هناك.. وخيوط هنا وخيوط هناك، بحيث يمكن له في اللحظة المناسبة أن ينفي عن نفسه هذه التهمة المؤثمة بإثبات تهمة أخرى تكون بمثابة الفعل المبرئ له عند محاكميه، هذا النوع من أنواع السلوك السياسي قد نصفه بالمغامرة، وقد نصفه بالمؤامرة، وقد ينزع آخرون من الذين ينطلقون إلى كراهية السادات.. فيصلون به إلى حد العمالة للألمان.

 

وفي رأيي أن كل هذه نظرات مبررة ومفهومة، لكنها في مجملها لا تعدو أن تكون نظرات خاطئة، لأن القضية أكبر من هذا بكثير.. ولا يمكن اختصارها في أن تكون قضية تعاون يرقى إلى درجة العمالة.. أو إلى درجة الجاسوسية.. كما أنها ليست تعاونًا أو لعبًا على حبلين.. ولا على خيطين.. ولا في خطين.. وإنما هي في المقام الأول والأخير تعبير عن محاولات جادة لإنسان يضع نصب عينيه الهدف القومي أو الهدف الوطني النبيل الذي يريد أن يحققه.. فيكتشف أو يستنتج أن هذا السبيل كفيل بأن يوصله ولو بعد حين.. وأن سبيلًا آخر يمكن أو يحتمل أن يوصله بطريقة أسرع.. ويجد في نفسه القدرة على المشاركة في هذين الاتجاهين دون تعارض زمني.. ومن ثم فهو لا يمانع أن يمضي في اتجاهين في نفس الوقت، وهو لا يلزم نفسه أن يحصرها في توجه واحد.. أو أن يربط نفسه باتجاهين في نفس الوقت.. ذلك أن الهدف الوطني هو الأساس.

 

والواقع أن المصلحة الوطنية كانت واضحة جدًّا في توجهات أنور السادات وفي محصلة أنشطته الثورية في ذلك الوقت، نستطيع أن نذكر أيضًا من الوقائع التي حدثت في تلك الفترة تلك القصة التي كان محورها عوامة حكمت فهمي.. وتفصيلات هذه القصة كتبها أنور السادات نفسه بطريقة مثيرة في كتابات مبكرة كما سجلها في كتابه «البحث عن الذات»، ونحن نعرف أن أنور السادات نجح بذكائه في أن يجعل الاتهام الموجه إليه يبدو أو يصاغ قلقا، لكننا لا نستطيع أن نتغاضى عن حقيقة أن أنور السادات اعتقل بسبب هذا التعاون مع الألمان، أيَّا ما كانت الواقعة التي أوقعته تحت سيف المساءلة.

   

وظل السادات معتقلا طيلة عهد وزارة الوفد.. وعندما انتهى عهد وزارة الوفد في أكتوبر 1944 أفرج كل حزب من الأحزاب المشتركة في الائتلاف الذي أعقب وزارة الوفد عن المعتقلين الذين كانوا من حزبه.. فمثلا تم الإفراج عن مكرم عبيد وقال قولته المشهورة بأنه خرج من السجن (شخصا منسيا) إلى الحكم (وزيرًا مؤتمنا على خزائن المال كسيدنا يوسف عليه السلام).. وأفرج عن كثير من أنصاره من الكتلة الوفدية التي كان من نجومها الأستاذ جلال الدين الحمامصي.. وتم الإفراج عن الكثير من رجال الحركة الوطنية من الأحزاب والجماعات الأخرى.. لكن أنور السادات بقي في المعتقل، لأنه لم يكن منتميا إلى حزب علني.. أو حزب من المشتركين في الائتلاف.. وهكذا بقي معتقلًا حتى هرب منه.