لماذا تضحي تركيا بمصالحها من أجل سوريا؟

إنشاء منطقة آمنة، عودة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم وإحلال السلام في المنطقة، المحافظة على وحدة الأراضي السورية، وتخليص المنطقة من الإرهابيين، وبناء توازنات استراتيجية جديدة، هذه إذن هي أهداف مطروحة على أجندة الدولة التركية، بل هي على رأس أولوياتها حاليا، لأن الأمن القومي التركي لن يتحقق إلا بالأمن القومي السوري، وتفتيت سوريا يعني تفتيت تركيا، إذ تأتي رغبة (نبي الأناضول) أردوغان في إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في المنطقة، وبغية منه في تحقيق التوازن الجيوسياسي وفق منظور نجم الدين أربكان « إذا رأيت أنظار العالم سلطت على سوريا فعلم أن الهدف الرئيس هو تركيا».

  

فتركيا اليوم تلعب دورا مهما في إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط والمنطقة العربية، كونها دولة عضوا في حلف شمال الأطلسي، وهذا الدور الذي تلعبه في المنطقة تنظر إليه الدول العربية قاطبة بعين التخوين والعمالة للغرب، متهمة تركيا (الأردوغانية) بأنها تخدم الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، ومع بروز الأزمة السورية إلى المشهد الدولي والإقليمي دخلت تركيا في لعبة جديدة مع حلفائها في الناتو، فأمريكا في باطنها السياسي الخارجي أعطت الضوء الأخضر لتركيا للقيام بعمليات عسكرية في الشمال السوري ضد العصابات الكردية المرتزقة التي استأجرها نظام الأسد لقتل شعبه وتهجيره، ومن واجب تركيا أن تحمي حدودها وتحفظ أمنها القومي من المجموعات المسلحة الكردية، إذ لا يمكن استبعاد دور تركيا كدولة إقليمية فاعلة في العلاقات الاستراتيجية إلى جانب دول الجوار السوري مثل: إيران وروسيا والعراق.

 

لا شك أن التغير الذي طرأ على البيئة السياسية في هذا الإقليم المفخخ شجع إسطنبول هي الأخرى على لعب " لعبة الأمم" والبحث عن حصتها من "السمن والعسل" ولن تقف المخابرات التركية التي يترأسها الكردي هكان فيدان كاتم أسرار تركيا مكتوف الأيدي، فالمحاولات المتكررة لتفكيك العراق والحشد العسكري الأمريكي – الروسي في سوريا، ومطامع فرس إيران الشيعية، وحلم المرتزقة الأكراد في تأسيس دويلة لهم، كل هذه المعطيات تشير إلى وجود مخطط إقليمي – دولي ضد تركيا السنية على وشك أن يبدأ، وفي المقابل بدأ الأتراك يمسكون " بشعرة معاوية" ويتحولون من منطق (الخطر العربي) إلى منطق (الخطر الكردي) المدعوم من تل أبيب وواشنطن والذي بدأ هو الأخر يلعب دورا رئيسيا في المنطقة.

 

ومن هذا المنطلق، أصيبت السياسة الخارجية التركية بحساسية إزاء أمنها القومي، الأمر الذي دفعها إلى إطلاق عملية عسكرية " نبع السلام "، والتي تهدف أساسا إلى القضاء على إرهابي الكرد وداعش وبناء منطقة آمنة، إذ تستمر الجهود العسكرية التركية لمعالجة الأزمة السورية التي باتت تهدد أمنها على الحدود السورية – التركية.

 

فتواجد الانفصاليين الأكراد بشقه المسلح والسياسي على الحدود التركية يؤرق أنقرة، ما دفعها إلى التنسيق مع الجيش الوطني السوري ومع القوات المسلحة التركية لتطهير الشمال السوري من منظمة (بي.كا.كا) و (واي.بي.جي) وبقايا داعش الإرهابية، فتركيا لن تسمح بإنشاء "إسرائيل جديدة " على الحدود التركية – العربية ممثلة في دويلة كردية عنصرية تسلحها تل أبيب وتدعمها واشنطن، فميلاد هذا الكيان الكردي سيؤدي إلى تقسيم سوريا والعراق وتركيا وبناء منطقة توتر جديدة لصراع الأديان السماوية مستقبلا، فهذه العصابات الكردية المسلحة التي استأجرها نظام بشار الأسد لقتل شعبه وتهجيره لن تفلح في اقتطاع جزء من أراضي سوريا لبناء كيانها الذي سيعيد ترتيب المصالح والنفوذ وانهيار النظام الإقليمي وسيادة الفوضى .

  

ومن المؤسف أن توضع سوريا في هذا الموقف الذي يهلك المنطقة، فتركيا ستقف هذه المرة في وجه السياسات الأمريكية والإسرائيلية التي تهدف إلى تفتيت تركيا عن طريق إضعاف سوريا وتأسيس دولة كردية، ولن يسمح أبدا بميلاد إقليم كردي في الشمال يفصل تركيا عن دورها العربي والاستراتيجي الإسلامي، ويمكن القول أن تركيا تعد طرفا فعالا في ما يسمى " قوة المطرقة المتأهبة" للدفاع عن الأكراد وحمايتهم وحقوقهم السياسية تحت لواء الدول التي ينتمون إليها (سوريا، العراق، تركيا)، ومن غير المعقول أن تقوم دولة كردية على الحدود المتاخمة لتركيا مع المنطقة العربية.

  

تركيا تشعر بأنها مستهدفة من الغرب، كونها مفتاح الشرق الأوسط الجديد، ولتحقيق أهدافها الاستراتيجية طرحت خطتها الأمنية " نبع السلام" لامتصاص أي فراغ أمني وإيديولوجي لبروز ما يسمى ب(أكراد سوريا، أكراد العراق، أكراد تركيا) في حلم دولة كردستان، وهو الأمر الذي يدفعها لحماية وحدة الأراضي السورية وإعادة توطين المهاجرين السوريين في الشتات، وليس من مصلحة الولايات المتحدة وروسيا أن تحل أزمة سوريا والأكراد، لكن من مصلحتهما أن تمسكا بخيوط المشكلة، وأن تحرك هذه الخيوط حسب المصلحة القومية الأمريكية – الروسية، ولكن لا يمكن الاستغناء عن تركيا فهي مهمة للاستراتيجية الأمريكية في مواجهات قادمة مع دول المنطقة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة