التسوية السياسية العوجاء.. لهذه الأسباب انتفض اللبنانيون ضد الطبقة السياسية

"أعلم أن الكثير منكم غير مقتنع بقراري ويشكك بنوايا "حزب الله" الحقيقية ويقول لي هذه ليست تسوية بل تضحية. وأنا أقول نعم قراري هو مخاطرة سياسية كبرى، ولكنني مستعد للمخاطرة بشعبيتي ومستقبلي السياسي ألف مرة لأحمي الجميع، ولن أخاطر بأي أحد منكم كي أحمي نفسي وشعبيتي". بهذه الكلمات، أعلن رئيس الحكومة سعد الحريري التسوية السياسية في العام ٢٠١٦ وتبنّى ترشيح ميشال عون رئيسًا للجمهورية، ظنًّا منه أن بخطوته سَيَقي اللبنانيين من الصدمات المفاجئة والممارسات المتهورة التي تعبث بأمنهم واقتصادهم ومعيشتهم. وعلى قاعدة "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفّهما"، وجد أن المساكنة مع الخبائث حلال. لكن الحقيقة أنها كانت أعظم المفاسد كونها جاءت بعد سنوات من الضربات الموجعة.

لن تتمكن الذاكرة اللبنانية من القفز بسهولة فوق مسلسل اللّدغ. فالخطوة الكارثة سبقتها تجربة "حكومة اليد الممدودة" التي سرعان ما باتت مبتورة، إذ بعد انقسام حاد شلّ الدولة ومؤسساتها منذ أوائل العام ٢٠٠٧ وقاد إلى أحداث ٧ أيار (٢٠٠٨) حيث وجّه حزب الله سلاحه إلى الداخل، تمّ التوصل إلى اتفاق الدوحة الذي تُوّج بإيصال رئيس للجمهورية بعد فراغ طويل في الرئاسة، لكن في الوقت نفسه مدّ حزب الله والتيار العوني بالقدرة على تعطيل عجلات الحكومة بـ "الثلث المعطل". ورغم فوز تحالف ١٤ آذار ونيله الأكثرية في الانتخابات النيابية (حزيران ٢٠٠٩)، لم يُسمَح للرئيس الحريري بتشكيل حكومة إلا إذا كان فيها للثنائي شأوٌ عظيم، وهو ما حدث بالفعل بعد حصوله على ضمانات، لتأتي الضربة الأكثر استفزازًا في العام ٢٠١١ بإسقاط حكومته -من منزل ميشال عون في الرابية- تمهيدًا للقبض على القرار السياسي من خلال حكومة اللون الواحد برئاسة نجيب ميقاتي.

عون الذي بنى خريطة تحالفات داخلية وخارجية وسجّل أكبر استدارة في المواقف، وتحوّل إلى حليف لنظام الوصاية الذي عانى منه اللبنانيون على امتداد ثلاثة عقود انتهت باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وحليف لحزب ينفذ أجندة إيرانية، وعرّاب الانقلاب على رئيس الحكومة في العام ٢٠١١ -هذا إن لم نتناول مرحلة توليه رئاسة الحكومة العسكرية عام ١٩٨٨- أصبح بين ليلةٍ وضحاها محط ثقة ومؤتمنًا على رئاسة البلاد! وبعد سنواتٍ عجاف يقدّم الرئيس الحريري التنازل تلو الآخر واضعًا نفسه بين فكّي كماشة الحلفاء والخصوم، وكأنه مُلزم في كل مرة الضغط على زر "أعد المحاولة لاحقًا".

لا شك في أنها أعظم المفاسد، لكن يُسجّل للرئيس الحريري أنه بتلك التسوية حقق حلمًا كاد يكون مستحيلاً في بلد تحكمه أنظمة ديكتاتورية -وليس نظامًا واحدًا كما في محيطه العربي- وهو إجماع اللبنانيين بكل انتماءاتهم على النزول إلى الشارع للمطالبة بإسقاط كل الطبقة السياسية من دون استثناء. فالشعب الذي تجذّرت فيه الطائفية وحجزت لها مواقع على كل المستويات ينتفض أمام زعمائه إلى حد لم يعد بوسع أي زعيم أن يحتمي خلف طائفته.

ما يحدث اليوم ليس اعتصامًا ولا تحرّكًا ولا مظاهرة، بل ثورة هي الأضخم بعد ثورة ١٤ آذار ٢٠٠٥. الفرق بينهما أن الأولى هبّت لاستعادة سيادة واستقلال لبنان، والثانية لتصويب البوصلة الداخلية بالحصول على أدنى الحقوق المسلوبة. مَن يستمع إلى الثوار يلاحظ انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والحزبية، لكنه يدرك فورًا أن وجعهم مشترك: انتهاك أدنى حقوق المواطن اللبناني؛ انتهاك حقه السياسي في أن يكون له رئيس مدني خارج اللوبيات السياسية وفي أن يكون له رأي في القانون الانتخابي الذي سيقترع على أساسه، انتهاك حقه البيئي في إيجاد حلول لأزمة النفايات والمياه الملوثة والهواء الملوث بفعل الكسارات ومعامل التربة، انتهاك حقه الصحي في أن يكون له مستشفيات حكومية ترعاه وتحتضن معاناته، انتهاك حقه المعيشي والاقتصادي والاجتماعي في تأمين العمل للشباب وفي حلّ أزمة الكهرباء والطرقات والمواصلات وضمان الشيخوخة، انتهاك حقه في وجود قضاء نزيه يقيم محاكمات عادلة وفي إقرار قوانين رادعة تقتص من كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الناس وسلبهم حياتهم.

اليوم، وبعد عبارة "لن يسقط العهد" التي تحدّى بها أمين عام حزب الله الشعب اللبناني، ملاقيًا بذلك وزير الخارجية وصهر رئيس الجمهورية جبران باسيل، باتت شيفرة الـ ٧٢ ساعة التي حدّدها رئيس الحكومة كمهلة للتجاوب مع طروحاته الإصلاحية، سهلة التفكيك بالنسبة للبنانيين؛ وهي الضغط باتجاه عدم استقالة الحكومة وممارسة التنويم المغناطيسي على الشعب واستثارة عواطفه لضمان البقاء في السلطة. لكن، بعد "لن يسقط العهد"، لن يرضى اللبنانيون بأقل من تنحّي رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة تكنوقراط من دون لون سياسي، والعمل على وضع قانون انتخابي جديد تمهيدًا لإجراء انتخابات نيابية تأتي بنواب من خارج الطبقة السياسية الحالية، يليه اختيار رئيس جديد للبرلمان.

أن تعتقد بأنّ ما يحصل في لبنان لا يخرج عن إطار التحركات الصبيانية التي سيتبعها بعد أيام حركة سير طبيعية، هذا يعني أنك لا تعرف اللبنانيين. نعم، حتى كاتبة هذه السطور لم تكن تعرفهم حتى مساء الخميس ١٧/١٠/٢٠١٩. فهناك جيل جديد ينبض ثورة، ولبنان جديد يُزهر، بفضل أعظم المفاسد.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة