لماذا فاز قيس سعيد بالرئاسة التونسية؟

blogs قيس بن سعيد

بدايةً نتساءل ما الذي يدفع المواطن التونسي طارق كريم ليقطع مسافة 540 كيلو متراً مشيا على الأقدام، من بلدته جرجيس في الجنوب التونسي نحو العاصمة لمؤازرة الدكتور قيس سعيد؟! فهل هذا تفويض بالمضي قدماً في سباق الرئاسة من شباب الثورة القادم من صفاقس وقابس وصخيرة وشابه ومهدية ومنستير.

نعلم حينئذ أنه لم يقم بذلك إلا لما لامسه في من كان يفترض فيه أحقية نيل منصب الرئيس من استجابة لتطلعات الجماهير، فانبلاج عصر الحرية هو الآتي، وهو برهان على الخلاص من تسلط العسكر وحكم الفرد الجبري وتوريث العائلة الديكتاتوري، هذا الحكم الجاثم على صدر هذه الأمة لسنين طوال بمساندة الغرب، والذي شاعت في كنفه قضايا التخلف والظلم والاستبداد والعبودية، والتفريط بمستقبل الأمة وأجيالها، إلى الحد الذي توسعت فيه تغولات الأطر الهيكلية للدولة العميقة، ووسط هذا الركام كله تأتي إطلالة البروفيسور الأكاديمي المتقاعد، وأستاذ القانون الدستوري لثلاثين عاما حاملاً شعاره الطليعي: الشعب يريد، ومناداته باللامركزية، وعدم الارتهان لأي إرادة مهما كانت، هذا الرجل الحالم بفلسطين القادم من زمن آخر، استجابة لعطش أسطوري لجرعات من مشاعر العزة والديمقراطية، كمن يظهر فجأة لأيتام افتقدوا الأبوة منذ قرون، رجل حاز على أصوات قرابة ثلاثة ملايين مواطن ومن خلفهم ملايين العرب، لأنه نزيه ونظيف اليد وبارع في أداء عمله، وصاحب كاريزما خاصة يتقن فنون المحادثة والمنطق.

إزاء هذا التكريم التاريخي له بإسناد سدة الرئاسة التونسية له، يجد نفسه مطالباً بالإرتقاء لطموحات الجماهير ليس في تونس وحدها بل في العالم العربي كله، كما يستوجب ذلك منه العمل على إنقاذ التعليم، و تعزيز الإرادة الشعبية، بفلسفته التي تنبع من كون الحياة لحظة وموقف، فابتدع بالتالي شعارا آخر تحت مسمى التأسيس الجديد، مندفعاً لإقرار العدالة، واحترام رغبات الشعب، والاصطفاف مع البؤساء والفقراء، ورفض التحول عن المبادئ العظيمة لقاء التحصل على حفنة من الدعم المادي. ولعل في سلم أجنداته حث الدولة على تولي التعليم والصحة والنقل والضمان الاجتماعي، لأنهن ضرورات كالماء والهواء، وضرورة تفعيل المراقبة المباشرة للأداء الحكومي، والحاجة الماسة لمعالجة الفساد المستشري، ليس عن طريق الرقابة فقط، فالمسألة أعمق من ذلك بكثير، وهي قطعاً تؤصل لإحياء الدور الاجتماعي للدولة، ومحاربة السياحة الحزبية، وعدم تزكية النفس بالوصاية على الآخرين، ومجابهة الوصاية من الخارج.

ليست الرئاسة وفق ما سبق بيع أوهام وترويج شعارات، بل هي رحلة عطاء تكتسب مشروعيتها من الدستور التونسي، الذي هو من أجمل الدساتير، ولكن ليس بتكرار صياغته على المقاس وفق هوى كل حاكم

تبرز في هذا الإطار منهجية البروفيسور التي تنادي بتدريس الفلسفة للمراحل الأولى للابتعاد عن العنف، والمناداة بالتزام الدولة بالمعاهدات الرئاسية بصرف النظر عن تبدل الحاكم، والبعد عن التفنن في إطلاق الوعود الانتخابية الزائفة، والثبات على العقد الاجتماعي. ومن هنا ينظر له بوصفه الرئيس التوافقي الجامع لعناصر المجتمع التونسي الأكثر انسجاما، والحامل لفلسفة خاصة تنهض بتعريف مفهوم الدولة التقليدي المحصور في السلطة السياسية، ليصل للمفهوم الإنساني الفذ، المتمثل في مجموعة المرافق والخدمات العامة الموضوعة لخدمة المواطن والسهر على رعايته، وهذه الرؤى الخلاقة يخشى الكثيرون أن تصاب بالإحباط فيما لو كان الرأس صالحا، ولم يرتق لتطلعاته الجسد، فحمل الأمانة، والعمل على تحقيق إرادة الشعب وسام شرف وعزة.

يعلن الدكتور قيس لمحيطنا العربي البائس حضوره وبجعبته إطار قانوني، وشعار تأصيلي لحقبة جديدة: الشعب التونسي لن يعود للقفص، ضمن ترشيحات جاءت بناء على قناعات عائلية، وبطلب من بعض الأصدقاء، فكانت حملته بالتالي حملة متطوعين من تلقاء أنفسهم، نجت من براثن المال السياسي، ولم تتقبل فلساً من الخارج، واتسمت بالصراحة في كشف الذمة المالية بكل أريحية، وبمصداقية عالية مع النفس، هذا هو الرئيس المحاور البارع الحائز على أوصاف السياسي الوسطي المستقل، بشعاره المعهود: لست حزبيا، عشت وسأبقى وسأوارى التراب مستقلاً، ولم أكن يوماً ضد الدولة، أو مقربا من الأخوان. لقد حمل الرئيس الأمانة متصالحاً مع نفسه، عاشقاً لفصاحة اللغة العربية، برؤى الثورة المنضبطة بإطار الدستور، وبصورة لم يعهدها حتى الفلاسفة! فتوهجت العلاقات بالداخل بوصفها مبنية على الثقة، وارتقى الأمن القومي بصورة لا يمكن مقاربته بها إلا مقاربة متكاملة، توجب تحديد صلاحيات الرئيس، ليقول الحقيقة كاملة للشعب في حالة فوزه، فلن يكون شاهد زور، والقضية في كل الأحوال ليست من منطلقات الشخصنة المذمومة.

أما قطاع الإعلام فلا مجال للتراجع في حرياته، فالتونسيون أحرار، ولكن ينبغي التخلص من الوقوع في أسر المفاهيم البالية، وغسل أدمغة الجماهير عن طريق اللوبيات التي توجه وسائل الإعلام، والتاريخ كفيل بالفرز الحقيقي بين الغث والسمين. يسعى الرئيس وفق طروحاته بكل صدق للوصول للمجتمع المدني، والانحياز للفكر السياسي التقدمي، مؤمنا بأن حرية التفكير هي التمهيد والرافعة الحقيقية لحرية التعبير، محذراً من مؤامرة تغييب القضايا الاجتماعية العادلة بإشغال المواطن بالهم اليومي، فالمشكلة التي نعاينها أن المسؤول غير مسؤول أمام الشعب، وهذا الشعب ينبغي تمكينه من سحب الوكالة والتفويض الممنوح، وهذا يحتم الاستماع للمقترحات والمشاورات، واحترام قداسة القانون بصورة إبداعية مغايرة لما اعتدنا عليه من أنماط رئاسية في المحيط العربي.

ليست الرئاسة وفق ما سبق بيع أوهام وترويج شعارات، بل هي رحلة عطاء تكتسب مشروعيتها من الدستور التونسي، الذي هو من أجمل الدساتير، ولكن ليس بتكرار صياغته على المقاس وفق هوى كل حاكم، وإنما المراد أن تتم كتابته بحناجر المواطنين، وهذه أرفع منزلة من منازل العظمة في الفكر السياسي. إن مواكبة طروحات الجماهير وتطلعاتها، تفرض أن ينصب الحديث  على مجتمع القانون كخطوة استباقية، تأتي في إثرها دولة القانون، ويترتب على هذا  إيجاد حلول للنهوض بالقدرة الشرائية للمواطن، وألا يتم التنكيل به في حياته، وألا يجعل سلم أولوياته محصورا في لقمة العيش، وضمان عدم توظيف هذه اللقمة لممارسة الضغوطات عليه، فهذه وسائل الدولة العميقة باتت جزءا من متاحف الماضي، إن الفوز بأصوات الشباب الجامعي وسام على تصحيح مسار الثورة، لذا رأينا كثافة خروج التونسيين للاحتفال بهذا النصر بالنزول إلى شارع الحبيب بورقيبة، شارع الثورة والثائرين.

لقد مر على الإنسان العربي حين من الدهر، تم خداعه بشماعة إفلاس خزائن الدولة، ومحاربته في لقمة عيشه، فكان من المنطقي أن نشاهد ثورات الجنوب المظلوم في القصرين وعطبرة ودرعا والبصرة، بحثا عن ثنائية الكرامة والرغيف قبل المطالبة بتعديل ميكانزمات التداول السلمي للسلطة.
واليوم تنام روح محمد البوعزيزي مطمئنة، بعد أن أفرزت طروحات الثورة رئيساً لا نقول هو الأكثر مثالية، ولكنه وفق كل المقاييس الأقرب بمنهجيته التقدمية للنقد البناء، وللأنماط الرئاسية العادلة، والتي يصح فيها القول: ليس بالإمكان أفضل مما كان، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.