تونس المتحول الوحيد بين أقطار أرهقها الجمود

blogs قيس بن سعيد

أصعب ما في الحياة أن تتكالب عليك أهوالها، وأصعب ما في الكتابة أن لا تجد ما تكتب رغم أن كل شيء من حولك يستفزك لذلك، ويا ليته كان ذلك الاستفزاز الإيجابي. تغرق عقولنا في وحل التخلف والجهل، وتغرق بلداننا منذ عقود في معضلة كبيرة اسمها الفساد السياسي، ورغم ذلك فالمشكلة ليست هنا، فقد جبلنا على الدكتاتورية وعشنا معها وكبرنا في حضنها وتعلمنا في مدارسها المهترئة، وكنا قبل وقت قصير نفرق بين الصالح والطالح، ونميز بين المنبطح والمستميت في المعارضة، لكن الوضع تحول؛ وأدركنا منذ فترة قصيرة أن الصورة أقرب للسوريالية من الواقعية، وعلمنا أننا أصبحنا متخصصين في التنكر وارتداء الأقنعة، ولعب دور الضحية والبكاء على السراب، فما وصلنا له لم يكن إلا بأيدينا فقط، فإذا كان حلما فأيقظونا فإنا نكاد نختنق؟

لطالما حلمت أن أكتب في ظروف أفضل من هذه، لطالما أردت أن أعتز ببلدي كما يعتز كل إنسان ببلده ولو كذبا ونفاقا، حب الوطن من الإيمان لا ينكره إلا جاحد، لكن الأجحد من يرى الوطن يغرق وهو لايزال يطبل لمن دفعوا به نحو حافة الهاوية، في بلدان أخرى يكتب الناس مذكراتهم ويومياتهم، وانتقالهم من مرحلة إلى أخرى ويؤرخون لأي تغيير مهما كان بسيطا في حياتهم، ونحن لا نكتب مذكراتنا لأن أيامنا لا تتغير وواقعنا رمادي منذ قرن، لماذا علمتمونا الأحلام في وطن حقيقته كابوس ومنامه كوارث وآفات.

الأهم من انتخاب رجل قانون سيرته بيضاء وماضيه لا يُخْجَلُ منه كعادتنا، هو قدرة الشعب التونسي التعبير عن اختياره بكل شفافية وبكل اقتناع، بالرغم من بعض محاولات توجيه الرأي العام نحو أشخاص آخرين

باختصار أو بإطناب لا يهم ما يهم أننا لم نعد نحتمل، لم نعد نحتمل الضحك على ذقوننا، أوقفوا هذه المسرحية، لأننا نرفض أن نكون كومبرسا فيها، أنتم الأبطال وكتاب السيناريو ومخرجوا العمل فلماذا تحشروننا في القضية، لم نعد نريد من هذا الوطن إلا أن يلفظنا خارجه، فنحن لا نستطيع أن ندخل حربا غير متكافئة القوى لأن نتيجتها معلومة مسبقا، كما كانت نتائج معاركنا معكم منذ أكثر من عشرين سنة، هم لم يتركوا الأرض لنا بل تركوها لكم لأنهم يعلمون جيدا أنكم أوفياء لعهدهم حتى آخر نفس من حياتكم، لأن مصالحكم مشتركة رغم أنهم أصحاب الوليمة الرئيسية وأنتم كالضباع تقتفى فتاتهم وبقايا ثرواتنا المنهوبة، لا تدعوا القوة ولا الحكمة ولا الوعي بما يحصل معنا، نعلم جيدا أن زوالكم مرتبط بقراراتهم، وأنه ما دمتم تقومون بواجبكم كما يجب فأنتم موجودون، وتأكدوا أنكم لن تظلوا لحظة حين تنتهي مهمتكم..

كل هذا لا يخصنا رغم أننا نتباكى عليه ليلا نهارا ونضرب أخماسا بأسداس ونحاول أن نتوقع حيثيات المراحل القادمة، وفي كثير من الأحيان لم تخب توقعاتنا، لأن السيناريو واحد والمسار السردي مستنسخ منذ عقود، فأنتم لستم دهاة كما يصفوكم، لأن الداهية من يكسب حب شعبه ولو كذبا وخداعا، وأنتم لم تقدموا لهذا الشعب سوى البؤس والشقاء، وتغتنمون أدنى فرصة لتدوسوا على كرامته وإنسانيته. ومع ذلك فنحن نتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، نحن من حكمنا على أنفسنا بالذل والقهر، واندمجنا معكم في اللعبة وكذبنا على أنفسنا مرارا حتى صدقنا كذبتنا، وحين صدقناها اكتشفنا أن اليأس قد تغلل داخلنا وأن إرادتنا لم تعد قادرة حتى على خط سطر.

نحن المعارضة الكرتونية التي تشترى بأبسط الامتيازات، نحن من سايرناكم وصرنا صناع للفساد الذي خططتم له منذ نهاية النصف الأول من القرن الماضي، الكل يشتكي من التوريث والكل يتمسك بمنصبه كما تتمسك الأفعى بفريستها، لكن الكل يشتكي من الكل، والكل ينقد الكل، والكل يدعى النزاهة، والبلد تكاد تصرخ كلكم منافقون كلكم شركاء في الجريمة، كلكم خنتم عهد من ماتوا، فقد خانوهم حتى بعض من عاصروهم دون استحياء فكيف لا نخونهم نحن وهم غياب عنا، السلطة والمال نشوتان تضعفان أقوى البشر، فهل يصمد أمامها من جبل على اللامبدأ واللاأخلاق واللاإنسانية، حتى تلك الشعارات الفخمة والرنانة والكاذبة تخلوا عنها، هم هنا رغما عنا بنا وبدوننا، نرحل أو نتحر لاينصتون إلا لما يناسبهم ولا يعكر مزاجهم، لذلك يغرّك من يستأسدون في معارضتهم، فكلهم كرتون، إسلامي كان أم يساري، من الداخل أو من الخارج لكل مصالحه، ولك اجندته، أصبحت أشعر بالاشمئزاز ممن يزايد على الناس في الوطنية، لا وطنية في أرض ينعد فيها مفهوم الوطن أصلا.

بالأمس كان في لندن يشرب قهوته الصباحية في أفخم مقاهيها، يدعى الحرمان والغربة والديكتاتورية، واليوم يرتع في هذه الأرض المشاع، يسحب استمارات ترشحه للرأسيات، وهو بالأمس القريب كان يندد بأن لا شرعية في بلد تحاك فيه أجمل مسرحية تحت غطاء تافه اسمه الشرعية الثورية. ولكن ما يبقي داخلنا بعض الأمل هو أن ترى في وقت تتخبط عديد الشعوب العربية داخل أقطارها تقدم تونس مرة أخرى للعالم عامة وللوطن العربي بصفة خاصة، درسا في الديمقراطية، لينزع كل مناد بالدكتاتورية والحكم بشرعية الدبابة تلك الأفكار الضحلة من مفكرته، لقد صفع الشعب التونسي كل من يظن أن الشعوب العربية لا تحكم إلا من على ظهور المدرعات، وأن لا شرعية في الوطن العربي غير شرعية الكلاشنكوف.

لأن الأهم من انتخاب رجل قانون سيرته بيضاء وماضيه لا يُخْجَلُ منه كعادتنا، هو قدرة الشعب التونسي التعبير عن اختياره بكل شفافية وبكل اقتناع، بالرغم من بعض محاولات توجيه الرأي العام نحو أشخاص آخرين، والشجاعة الكبرى من صناع التاريخ العربي الجديد منذ 2011، هي وعيهم التام بأن كثير من الأطراف الدولية وحتى العربية لن تفرح كثيرا باختيار التونسيين لرجل بهذه النزاهة وسط هذا الزخم من الطغاة وعباد الغرب، ورغم أنهم مدركون أن الكثير سيسعى لإفساد مسار الديمقراطية في تونس بكل الطرق، لأن مصلحة الأسياد تقتضي أن يبقى العالم العربي متخلفا، حتى تحافظ القوى الدولية على مصالحها داخله، انتخبوا رجلا لا تشوبه شائبة، ولم يورط في تجاذبات السياسة العفنة من قبل، لا منتمي إلا لهذا الوطن الذي رغم صغره ورغم افتقاره لما تملكه الكثير من الدول من مواد خام قد تسهل مشاريع التنمية فيه، إلا أن قاطنيه أثبتوا أنهم يملكون أغلى مما تملكه بقية الشعوب دون جدوى، الوعي التام بأن التغيير يبدأ من داخل كل إنسان، وأن الاقتصاد والتنمية تصنعه العقول وليس العكس.