كيف مارس يوسف إدريس جراحة استئصال الانتصار بالمنظار؟

حين بدأت التدفقات النقدية العربية تعرف طريقها إلى الأدباء والمفكرين، فقد كان الدكتور يوسف إدريس (لظروف خاصة وقاهرة ومتنوعة) أكثر الأدباء والمفكرين حاجة إلى هذه التدفقات، وهكذا بدأت علامات حضوره المتوهج في عدد لا بأس به من الكيانات العربية الطامحة إلى إثبات الذات، وإلى إثبات قدرة زعمائها على الاستحواذ لأنفسهم على صورة شبيهة بالوهج الناصري، وهو ما بدا وكأنه أمر سهل لهذه الزعامات بعد اتفاقيات كامب ديفيد ذلك أن الهجوم على الرئيس السادات كان كفيلا بمجد سهل لا يتطلب تكلفة حقيقية أو عملية له.

    

وفي هذا الإطار، فإن الدكتور يوسف إدريس جمع بين ما لم يستطع غيره أن يجمع بينه باقتدار وسلاسة، فقد أكرمه الرئيس معمر القذافي وقرر أن يصدر طبعة كاملة من كل مؤلفاته في نظير مكافأة كبيرة، كما أكرمه العراق بالجائزة الكبيرة التي تحمل اسم الرئيس صدام حسين (وهو ما جعل الأستاذ نجيب محفوظ فيما بعد هجوم الدكتور يوسف إدريس عليه عند فوزه بنوبل يقول ببساطة : إن الدكتور يوسف إدريس تكفيه جائزة صدام)، ولقي الدكتور يوسف إدريس بالطبع كرم الرئيس حافظ الأسد، وكرم السعوديين، وكرم الخليجيين، كما لقي كرم الجزائر وكل من كانوا يقاطعون مصر بحكم قرارات مقاطعة مصر ونقل الجامعة العربية.

 

كان الدكتور يوسف إدريس حريصا على أن يكون بالنسبة للقصة القصيرة ما كان الرئيس جمال عبد الناصر بالنسبة للزعامة، ومن تم فإنه حاول بكل الوسائل أن يختصر من الحياة أسماء محمود تيمور ويحيى حقي وإبراهيم المصري ومحمود كامل ومحمود طاهر لاشين وأحمد خيري سعيد

في ظل هذه الحالة من تأجج عداء الدكتور يوسف إدريس لسياسات الرئيس السادات، اغتيل الرئيس السادات، فكتب الدكتور يوسف إدريس (من وحي لحظة الاغتيال) رثاء من أعظم الرثاءات التي كتبت في الرئيس السادات، وقد حرصت على أن أورد نص هذا الرثاء في كتابي عن السادات، لكنه سرعان ما عاد للانضمام إلى عصبة أو جمعية المعادين للسادات.

 

وفي ظل ترسبات الحقد الأسود تجاه الرئيس السادات الذي سيطر على حياة الأستاذ محمد حسنين هيكل في تلك السنوات، فإن الأستاذ هيكل ومن كانوا وراءه رسموا لأعداء الرئيس السادات خطوطاً عريضة للهجوم على الرئيس السادات لم يكن ليقبل أي عاقل أن يقوم بها إلا تحت ضغط الحاجة إلى المادة، وهكذا انزلق الأستاذ أحمد بهاء الدين إلى أن يكتب عن السادات بنفس الأسلوب الذي كتب به في الماضي عن الملك فاروق كتابا أخفاه هو نفسه فيما بعد وكان حريصا على أن لا يعرف أحد بقصته، وهكذا جاء كتاب الأستاذ أحمد بهاء الدين عن الرئيس السادات في صورة أسوأ من كتابه عن الملك فاروق، بما احتواه من مجافاة للحقيقة في كل واقعة وكل تفسير.

 

 

بيد أن كتاب الأستاذ أحمد بهاء الدين لم يشف غليل الأستاذ هيكل ولا غليل من كانوا وراءه من أعداء الرئيس السادات التقليديين، ولا غليل ذوي السلطة المطلقة من طبقة الرئيس القذافي، وهنا انتبه الأستاذ هيكل ومن كانوا وراءه إلى موهبة الدكتور يوسف إدريس وقدرته على أن يتبنى "اللامعقول" في كتاباته على نحو ما يتبناه في "أدبه"، وهكذا أنجز الدكتور يوسف إدريس مسرحية العبث الرائدة في جرأتها، ولا معقوليتها، والتي لا تزال شائعة، والتي تقول إن حرب أكتوبر كانت تمثيلية، حتى إنه لم يجد أية غضاضة في أن يتجاوز حدود الخيال ويقول إن الكباري التي عبرت عليها القوات الإسرائيلية إلى الغرب لتصنع الثغرة كانت قد بنيت من قبل حرب أكتوبر لهذا الغرض أي من أجل إحداث الثغرة كي تتم التمثيلية أو المسرحية. وكأن هذه الكباري بنيت بطريقة لم يصل إليها العلم حتى الآن، وهي أن تكون فقط للعبور من الشرق إلى الغرب، وليس كأي كوبري، وكأنها كانت مخفية عن جيشنا حين أراد العبور من الغرب إلى الشرق!

 

أنجز الدكتور يوسف إدريس، وحده، هذه الأسطورة الملحمية الكبرى! المبالغة في الافتراء على الشعب العربي كله وعلى جنوده، والقائلة بأن حرب أكتوبر كانت تمثيلية، فإذا بأسهمه ترتفع إلى السماء عند الرئيس القذافي والقذافيين وأمثالهم من طوائف كثيرة (ولم ينج السلفيون أنفسهم منها) إلى الدرجة التي جعلت الأستاذ محمد حسنين هيكل نفسه يغار منه ويبدأ في محاولة نقض هذه الأسطورة الملحمية دون جدوى! وهنا حدث ما لم يحدث إلا في عالم أجيال المضادات الحيوية، فتوارى دور الأستاذ هيكل كمضاد حيوي للسادات إلى مرتبة الأمبسيلين، بينما أصبح دورالدكتور يوسف إدريس في منزلة الأوجمنتين الذي لا يزال منذ سنوات طوال هو الدواء الأول في سوق مبيعات الدواء في مصر، وإذا أراد مطبل شيوعي أو سلفي أو متفلسف أن ينتقد الرئيس السادات أو أن ينقص مجده، فإنه لا يستعين بأفكار هيكل الأمبسيلينية، وإنما يلجأ إلى أفكار الدكتور يوسف إدريس الأوجمنتينية، ومن العجيب أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء المنتقدين لا يعرفون هذا الفارق المهم بين هيكل الأمبسيليني وإدريس الأوجمنتيني.

 

ومن الطريف أن الأستاذ هيكل فيما بعد، وحين وجد أن صياغة الدكتور يوسف إدريس في معاداة الرئيس السادات هي التي لقيت الذيوع والانتشار أحس بإحباط شديد، وكان معذورا في إحباطه، ثم إنه بحكم أخلاقيات سوق الدواء حاول أن يقلدها، ومن هنا جاء حديثه المتأخر وغير المبرر عن الرسالة التي بعث بها محمد حافظ إسماعيل في ثاني أيام الحرب إلى كيسنجر متضمنة التنويه بأن مصر لا تنوي تطوير المعركة، بيد أن معالجة الأستاذ هيكل افتقدت خيال الدكتور يوسف إدريس، وبيانه الطازج الساخن المأخوذ عنوة أو المقتبس بسرعة من وادي عبقر الذي هو وادي الجن.

 

الدكتور يوسف إدريس في مرحلة ما قبل استقراره في مارينا كان قد رأى في المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة زعامة تستحق أن يروج لها، وما إن بدأ الترويج حتى فقد أبو غزالة منصبه كوزير للدفاع

مضت سنوات قليلة، فإذا بريق آراء الدكتور يوسف إدريس الفكرية يخبو إلا قليلا جداً، لكن أثره في الملحمة السياسية المناقضة والهادمة لمجد الرئيس السادات أصبح يُستدعي من حين لآخر مع التجمل عليه أحيانا بذكر اسمه كمبدع للملحمة الخيالية الغرائبية! التي أصبحت وكأنها جزء من الفولكلور الذي لا يعرف مؤلفه، مع أن المؤلف علم من أعلام الأدباء. كان الأدباء الذين لا يرتاحون للدكتور يوسف إدريس يستفزونه حين يقولون عنه إنه تشيكوف مصر، فأصبح هذا الوصف هو أقصى ما يمكن من تكريم لاسمه الآن.

 

كان الدكتور يوسف إدريس حريصا على أن يكون بالنسبة للقصة القصيرة ما كان الرئيس جمال عبد الناصر بالنسبة للزعامة، ومن تم فإنه حاول بكل الوسائل أن يختصر من الحياة أسماء محمود تيمور ويحيى حقي وإبراهيم المصري ومحمود كامل ومحمود طاهر لاشين وأحمد خيري سعيد، لكنه بعد وفاته أصبح اسمه قلقا بين هذه الأسماء، وأصبح قصارى الجهد في تكريمه أن يقال إنه تشيكوف، على حين كان سابقوه أولاد موباسانن، من الطريف أن (هناك مجموعة من الأطباء) من أبرز كتاب القصة القصيرة الذين جاءوا بعده برزوا بدرجة استحقت الإشادة والاعتراف والتقدير النقدي والتاريخي من قبيل محمد المنسي قنديل، ومحمد المخزنجي وأحمد خالد توفيق.

 

أختم بطرفة موحية، وهي أن الدكتور يوسف إدريس في مرحلة ما قبل استقراره في مارينا كان قد رأى في المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة زعامة تستحق أن يروج لها، وما إن بدأ الترويج حتى فقد أبو غزالة منصبه كوزير للدفاع، وأصبح مساعداً لرئيس الجمهورية، ومن الحق أن نشير إلى أن الدكتور يوسف إدريس صاغ موقفه يومها من مديح أبو غزالة بطريقة متعقلة ذكية، حيث لجأ إلى الفكرة القائلة بأن اختيار الرئيس مبارك لقائد أبو غزالة السابق (أي يوسف صبري أبو طالب) هو في حد ذاته تكريم لأبو غزالة، ولعمري إن هذه الجملة هي أفضل جملة قيلت في حق المشير أبو غزالة، وقد صدرت عني عفو الخاطر حين سمعت بالخبر، فلما وجدت الدكتور يوسف إدريس يكتب الفكرة نفسها كافئت نفسي يومها بعشاء فاخر دعوت إليه من تستحقه، وذكرت لها السبب فدهشت من أنها علقت في تلقائية مباشرة بأن الطبيبين والضابطين يتحرشون فحسب بالسياسة، وأنهم لا يعرفون من قواعدها شيئا.  ويبدو بعد كل ما عرفناه بمضي الزمن، أنها كانت على صواب.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة