في تونس.. يحدث أن تجري الرياح كما تشتهي السفن

تُذهلني، كغيري، وكما أذهلتني نتائج انتخابات الدورين الأول والثاني للانتخابات الرئاسية في تونس وحماس الشباب فيها ونسب مشاركتهم، تذهلني حدّ الصدمة حالة الأمل المنفجرة منذ إعلان عن هذه النتائج. لا زلت مُصرّا بكوننا نعيش لحظة تاريخية وقد يحدث أن نقطف ثمارها هذه المرة، هذه اللحظة التاريخية التي عدّلت كل المعطيات الإقليمية والدولية وأدخلتنا التاريخ والجغرافيا بعد أن كُنا هامشا في الأرض، انعكست بالضرورة على معنويات التونسيين والتونسيات وسلوكهم طوال الأيام القليلة الماضية.

أحاول أن أجعل المطّلعين على هذا المقال يشاركونني اللحظة، لكم يا سادة أن تتخيّلوا أن شعبا بأسره، بإختلافاته ومعنوياته المُنهكة ونسب فقره التي ترتفع، مؤشرات التنمية التي تتهاوى في حين يرتفع عدد قوارب الموت المتجهة إلى أوروبا، في أرض عانت جام هموم الأرض وما عليها، من نهب وسرقة، إلى العمليات الإرهابية إلى الاغتيالات السياسية، يتحوّل كل هذا الوهم والضعف فجأة، في لحظة لو خططت لها كل مخابر الأرض لما صنعت نصف ما صنعه انفجار الأمل الذي حصل، لننتقل بقدرة قادر إلى عشرة ملايين جندي بعد أن كانوا عشرة ملايين متذمّر، وعشرة ملايين راغب في الهجرة.

أظن أننا نعيش لحظة تاريخية في البلاد، لحظة تاريخية سنتحدث عنها لأبنائنا، سنودونها في كتب التاريخ وسيسكت العالم بأسره ليسمع دويّها، إنها صرخة حياة يطلقها الشعب

صرت أحسد قيس سعيد على الانطباع الذي تركه عند الشباب البلاد وكبارها، نعم اعترف بهذا، أنا الناشط السياسي الذي لم أقدر يوما من أن أساند رئيسا لما تحمله رمزية الرئيس من استبداد وظلم. ماذا حصل؟ فجأة، تحولت الشوارع المُتسخة إلى شوارع نظيفة، وتحوّل الأرصفة الجافّة إلى أرصفة مزركشة ومُلوّنة، وشاعت حملات النظافة من شمال البلاد إلى جنوبها، جلسات المُطالعة صارت في كل مكان، في الشارع، في المقاهي، في القطارات.. الشعب بعد أن كان مُتذمّرا من غلاء الأسعار صار يقوم بحملات تبرعات للدولة وميزانيتها ولمحتاجي البلد وفقرائه، هنا يدعون بعضهم بعضا للاستهلاك المنتجات المحلية، يقرؤون شعرا على العامة، ويزينون الجدران والبسمة لا تُفارق أفواههم.
 
المجتمع يعزف سنفونيته الخاصة، سنفونية رائقة مُغلّقة بمعنويات مرتفعة، هي صرخة أخرى في وجه من حاول افتكاك ثورة الشباب من الشباب وحوّلها لصراعات أيديولوجية وفكرية مُنهكة ومتستنزفة، حالة يمكن أن تتشابه في التاريخ بحال الألمان فور سقوط جدار برلين وهرولتهم نحو انتشال ضحاياهم ودولتهم وارضهم، حالة للأسف لم تُعرف في تاريخ البلاد العربية لكونها لم تتجرّع غير الهزيمة، ولكنها حالة انتصار كبرى لها لحنها ولها رقصتها الخاصة، إنها حالة المحبين في بداية كل حبّ، وحالة المنتصرين فور الفوز، وحال المُنهكين فور خلودهم للراحة، أين تنقلب الساعة الرملية ويحس الشعب أنه الجيش الأول في البلاد وإن أطماعه أبعد ولأحلام أكبر من ما حُدد له وضُبط مُسبقا، استذكر قول محمد الماغوط حين قال يوما "ما الفائدة من خلق نظام من حديد ومواطن من زجاج" هنا، وبكل شرف ونخوة واعتزاز، يصير المواطن سيدا وحديدا بدون إنذار مُسبق، ويصير النظام أقوى وأقوى بكل مواطن يلتحق بركب الأمل نفض عنه تراكمات الغبار.

كل النخب في بلادي تتخبط غير مستوعبة ما يحصل بالضبط، ربما بطول المدة يمكن أن نستفيق من الصدمة التي صنعها الشباب لبلادهم، بدون إيعاز وبإمكانات فردية شحيحة. أظن أننا نعيش لحظة تاريخية في البلاد، لحظة تاريخية سنتحدث عنها لأبنائنا، سنودونها في كتب التاريخ وسيسكت العالم بأسره ليسمع دويّها، إنها صرخة حياة يطلقها الشعب، بكل ثقة في نفسه ليقول أن تونس الأخرى، التي حلُم بها الأجداد، صارت على مرمى البصر. لقد أحسّ الشعب، للمرة الأولى أن هذه البلاد بلاده وإنه معنيّ بها بمصيرها، مستقبلها ومستقبل أجيالها القادمة. صرت فخورا بهويّتي، نعم، بكل اعتزاز، يحدث أن تجري الرياح بما تشتهي السفن، بعد ظنّ روّادها أنهم تاهوا في محيط كبير وبموح عاتٍ وإن الموت رهين نفاذ المؤونة أو موجة كبيرة ضارية لا تبقي ولا تذر، وفجأة، في لحظة فارقة في الزمان والمكان، يتحول كل السواد إلى ورد، ويتحول كل الورد إلى اخيار جيّدين طيّبين قادرين على تحويل كوم الخردة إلى منابع جديدة للأمل.



حول هذه القصة

من أبرز مميزات الرئيس قيس سعيد هي استقلاليته، وهي صفة كنت سأعتبرها من الأشياء التي تؤخذ عليه لو كنا في توقيتا مختلفا عن الظرف الذي تمر به تونس والمنطقة كلها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة