الحراك في الجزائر والرهان الانتخابي

عرفت الجزائر منذ 22 فبراير وجهة وقبلة جديدة ودخلت في حراك وطني قاده الشعب الذي صمم من جديد على بناء جزائر جديدة وقرر صنع قدره وتاريخيه بمعزل عن أزلام النظام الفاسد والبائد، ومن باب الإنصاف التاريخي نؤكد ان ثورة الجزائريين على القوى غير الدستورية والدولة العميقة لم تكن بسبب لقمة العيش وإن كنا لا ننكر أن الجزائري يعاني من العديد من المشاكل والآفات الاجتماعية.

 

لكن شعور الجزائري بأنه تحول الى صورة كاريكاتورية تثير الرثاء والسخرية في الخارج حرك نخوته ودفعه دفعا نحو رفض تجديد العهدات للرئيس المخلوع أو الغائب منذ مرضه على الاقل، فكان رد الجزائريين واحدا وموحدا في حراك شمل كل ربوع الوطن ضد العصابة الحاكمة التي جعلت الفرد الجزائري بفعل التهميش والمحسوبية وتغول المال يشعر بالموت في وطنه أو يختار الموت على القوارب المميتة ذلك أن الدولة العميقة والناطق الرسمي باسمها كالسعيد أو أويحيى أو سلال ومن أجل ضمان الكادر منحو المناصب العليا والدنيا لأصحاب الولاءات وداسوا على كرامة أصحاب الكفاءات والشهادات.

 

نؤمن بالتغيير التدريجي لا التغير الراديكالي ونؤكد أن الامتناع عن الفعل الانتخابي حق مشروع لأي مواطن ولكن نعتقد أن محاولة عرقلة الانتخابات هو عرقلة للوطن

ولقد حاول رموز النظام البائد والفاسد أن يتجددوا لا أن يتبددوا من خلال إبعاد أويحيى والمجيئ بالعمامرة والأخضر الإبراهيمي من أجل عرقلة الحراك وإجهاضه ولكن تعنت هذه القوى الأوليغاريشة واللادستورية جعل الجزائريين يرفعون من سقف المطالب ولا يطالبون برحيل الرئيس بل بمغادرة الجميع ومحاسبتهم في شكل يتنحاو قاع. 

  

أمام هذا الوضع وأمام ضغط القوى غير الدستورية على المؤسسة العسكرية من خلال دعوة الجيش للقضاء على سلمية الحراك ومع وقوع القوى غير الدستورية في اجتماعات مشبوهة مع فواعل أجنبية تريد إدخال الجزائر في حالة طوارئ ومنه يكون حراك الشعب قد أجهض، أمام كل هذا اجتمعت القيادة العليا للجيش وقررت إزاحة وإسقاط السعيد بوتفليقة وأزلامه ودعت لحماية الحراك وتفعيل المادتين 7 و8 اللتين تقران بأن السيادة ملك للشعب مع تمسكها بالحل والمخرج الدستوري وفعلا تم العمل بالدستور وشكلت حكومة تصريف أعمال وأصبحت العصابة تقبع في سجون الحراش وظهر مصطلح تقليدي لدى الجزائيين ألا وهو المنجل وأصبح المنجل في الجزائر هو رمز العدالة وليس الميزان.

 

بعد مرور سبع أشهر على الحراك وما ترتب عنه من مناورات من الخارج على شاكلة بعض التصريحات الواردة من ثلة من نواب البرلمان الأوربي أضحى الكثير من الجزائريين يؤمنون بضرورة إقامة الانتخابات التي حدد لها موعد 12 ديسبمبر بإشراف من هيئة مستحدثة هي السلطة الوطنية لمراقبة الانتخابات والتي نتمنى صراحة أن تكون في مستوى التطلعات وأن تكون على قدر كبير من النزاهة والشفافية لأن الفرد الجزائري سئم النظام وكل ما يترتب من النظام على شاكلة الهيئة المستقلة، وما زاد الطين بلة وجعل الآفاق غائمة ومعتمة هو وجود أقلية لا تزال رافضة للفعل الانتخابي لعوامل كثيرة منها ما ذكرناه ومنها ما يتعلق بموقفهم من المؤسسة العسكرية بدعوى أن هناك مرشح للنظام أي الجيش ومنهم من يطالبون بحكومة مدنية لا عسكرية في حين أن هؤلاء بالأمس القريب كانوا يطالبون بتدخل الجيش من أجل القضاء على حكم شقيق الرئيس والأوليغاريشة الملتفة حوله وهذا تناقض واضح.

 

الجزء من المسؤولية تتحمله المؤسسة العسكرية التي عينت الرؤساء بالدبابة منذ الاستقلال الى غاية المجيئ بالرئيس المخلوع بوتفليقة ولكن الإيمان بالجزائر وانطلاقا من الحالة المالية والأمنية والسياسية للوطن وانطلاقا من مساهمة المؤسسة العسكرية في تنحية الرئيس السابق ومحاسبة وجوهه ورميهم في السجن وهو ما كان من المستحيلات وقعوه لدى الجزائريين، فقد كانوا بالأمس القريب كأنهم الخالق الرازق للجزائريين أقول انطلاقا من هذا كله نعتقد أن الظروف وإن لم تكن مهيئة تماما ففيها حد معين يسمح بإجراء انتخابات في ظروف مقبولة ومحاولة ترك البلاد في الفراغ أخطر على البلاد.

 

نؤمن بالتغيير التدريجي لا التغير الراديكالي ونؤكد أن الامتناع عن الفعل الانتخابي حق مشروع لأي مواطن ولكن نعتقد أن محاولة عرقلة الانتخابات هو عرقلة للوطن كما ندعوا للتعامل بمعقولية وذكاء مع معتقلي الرأي لأننا نفرق بين من أفسد ونهب المال العام وبين من يعبر عن أفكاره، فالفكر والحرية حقوق فطرية للإنسان وكما قال المفكر روسو من تنازل عن عقله أو حريته فقد تنازل عن وجوده وكرامته وحتى الاحتجاجات السلمية في كل ربوع الوطن يجب حمايتها والاصغاء لها وليس تميعها وتجريمها كما فعل نظام الحكم البوتفليقي وعلى الجميع من أجل الجزائر أن يدركوا أن الشباب الجزائري ليست مشكلته مع الماضي أو الهوية بل مع الحاضر والمستقبل فالجزائر بحاجة إلى عودة المصداقية للمؤسسات والأشخاص ويبقى أمر بناء دولة عظيمة مسألة تراكم جهود أجيال وليس نتيجة حراك سبعة أشهر، نقول هذا حتى لا نخدع أبنائنا أو نخدع أنفسنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة