الأسرة.. كيف لها أن تربي العباقرة؟

لا شك في أن الطفل مقلد من الدرجة الأولى خاصةً في سنوات عمره الأولى، فأكثر ما يقلد الطفل في تلك المرحلة والديه بحكم إلتصاق كل منهم بالآخر. فترى طفلاً يقرأ القرآن وآخر يقلد حركات الصلاة وآخر يتلفظ بألفاظ بذيئة سيئة وآخر يمسك بسيجارة غير مشتعلة يقلد والده المدخن وهكذا، وهنا يستحضرني قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)، فالمولود يولدُ موحداً لكن بعد ذلك يقوم والديه أو من يقوم مقامهما بتعليمه تعاليم الدين الذي يعتنقه. ويستحضرني هنا قول الشاعر:

إذا كان ربُّ البيتِ بالطبلِ ضارباً
فشيمةُ أهلِ البيتِ كلِّهمُ الرقصُ

وفي هذا السياق قال الشاعر الفذ أبو العلاء المعري:

مشى الطاووس يوما باعوجاجٍ
فقلدَ شكلَ مِِشيتهِِ بنوهُ
فقال: علام تختالون؟ قالوا:
بدأتَ به، ونحنُ مُقلِّدوهُ
فخالفْ سيركَ المعوجَّ واعدلْ
فإنا، إن عدلت، مُعَدِّلوهُ
أما تدري أبانا: كلُّ فرع
يجاري بالخطى من أدَّبوهُ؟
وينشأ ناشئُ الفتيان منا
على ما كان عَّودهُ أبوهُ
وما دان الفتى بِحِجىً ولكنْ
يُعلّمهُ التديّنَ أقربوهُ

الشاهد من كل هذا الكلام أن الأسرة هي المسؤول الأول والأخير عن تصرفات وسلوكيات أبنائهم، فمسؤولية التربية والتنشئة تقع بالمقام على الأسرة فإن صلح الوالدين وقاما بدورها الأساسي والرئيسي بالتربية والتنشئة صلح الأبناء والمجتمع يصلح بصلاحهم. وإنه من غير المنصف أن تتخلى الأسرة عن دورها الرقابي تجاة أبنائها وتبتعد كل البعد عن دورها الرئيسي بتربية وتنشئة الأبناء وتكتفي بلعب دور المتفرج عليهم وتنشغل عن الأبناء بشواغل لا تسمن ولا تغني من جوع، ثم وبعد كل ذلك تلقي بهم إلى المدرسة وتنتظر من المعلمين أن تصنع من أبنائهم إنساناً ناجحاً مثالياً منضبطاً!

خطوات بسيطة وقيل من الاهتمام من قبل الأسرة تجاة أبنائها تجعل من أبنائهم صالحين نافعين يتمتعون بمستوى ذكاء ممتاز ويمتلكون مخزوناً قيمياً كبيراً يعود على الأسرة بالنفع والاستقرار

هذا لا شك ظلم كبير وغير منصف، فقط ألقوا نظرة على الجدران وما هو مكتوب عليها من كتابات مخجلة سيئة، يا ترى من كتبها ومن أمرهم بكتابتها؟! اذهبوا بجولة قصيرة إلى مدراس الإناث لتروا من يتحلق أسوار وأبواب المدارس، يا ترى أبناء من هؤلاء، عُمَّار المقاهي ورواد محلات الألعاب والمدخنون على الأرصفة وفي الزقاق أبناء من يا ترى؟! ومن باب الإنصاف أيضاً أن هنالك الكثير من الأسر التي تجتهد اجتهاداً كبيراً في تربية أبنائها لكنها فشلت في الحصول على النتائج المرجوة من كل ما أعطته الأسرة من اهتمام ومتابعة وذلك يعود لأسباب عدة أهمها: عدم دراية الأسرة بأساليب التربية الصحيحة التي يجب أن تتبعها في تربية الأبناء؛ وهنا يجب الاستعانة بخبراء في هذا المجال وهم كثر، بالإضافة إلى عدم توفر البيئة المناسبة للطفل سواء كان في المدرسة أو في البيت أو في المجتمع ككل، وهنا يجب تغيير البيئة بشكل فوري، فإذا كانت المدرسة لا توفر الحماية للطفل من المتنمرين والمفسدين ورفقاء السوء؛ فيجب هنا على الأسرة تغيير البيئة بشكل فوري.

وبعد كل ذلك يخرج علينا هواة التنظير ليحملوا فشل الأجيال لفئة معينة دون أخرى متناسين ما وصل إليه المجتمع والأسرة تحديداً من خراب مقصود ومنهج وخصوصاً ما تاعرض له المدرسة والمعلم على حد سواء من مؤامرات ممنهجة واضحة من قبل من يريد الخراب والانهيار لهذه الأمة، الصواب هو أن نقول وبكل إنصاف ومهنية وموضوعية أن المسؤولية مشتركة يتحملها أكثر من طرف والحل يكون بتكامل وتعاون جميع الأطراف وعلى رأسها الأسرة.

أما بالنسبة للأسرة "كيف لها أن تربي العباقرة؟"، فهو كتاب لعالم النفس المجري لازلو بولغار ألفه الكاتب قبل أن يتزوج وارد العالم لازلو أن يثبت في كتابه أن الذكاء صفة مكتسبة يمكن أن نربي أو بالأحرى أن ندرب أبناءنا عليها ليصبحوا أطفالاً أذكياء أو عباقرة، فقد وضع في كتابه "القيم" هذا مجموعة من القواعد والخطوات التي من شأنها أن تجعل من الطفل متوسط الذكاء أو قليل الذكاء إذا ما طبقنا عليه تلك القواعد أن يصبح طفلاً عبقرياً في المستقبل هذا من الجانب النظري، أما من الجانب العملي فقد قام العالم المجري بتطبيق ما كتبه من قواعد ونظريات على أبناءه فكانت النتائج مبهرةً جداً، حيث أنه اتفق مع زوجته على تربية أولادهما ضمن هذه القواعد وكانت النتيجة مجموعة كاملة من الأطفال العباقرة ليثبت للعالم أن العبقرية والموهبة الفكرية ممكن خلقها وصناعتها بالتربية ولا تأتي بالقابلية الوراثية فقط. وهذا الكتاب متوفر على شبكة الإنترنت كنسخة إلكترونية مكتوبة باللغة الإنجليزية فقط وهنا أدعوا المختصين في مجال الترجمة إلى ترجمة هذا الكتاب القيم إلى اللغة العربية حتى تستفيد منه الأسر العربية ونثري المكتبة والمحتوى العربي بما هو نافع لأبناء هذه الأمة.

خطوات بسيطة وقيل من الاهتمام من قبل الأسرة تجاة أبنائها تجعل من أبنائهم صالحين نافعين يتمتعون بمستوى ذكاء ممتاز ويمتلكون مخزوناً قيمياً كبيراً يعود على الأسرة بالنفع والاستقرار وغير ذلك يمكن أن يحول حياة الأسرة إلى جحيم، فقد تعيش الأسرة تحت وطأة المشاكل الأسرية المقيتة والتفكك الأسري الذي يجعل من الفرد بؤرة توتر ومصدر للمشاكل للأسرة والمجتمع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة