آبي أحمد.. نجاشي هذا الزمان!

blogs آبي أحمد

آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، الذي لم يكمل بعد عامه الثاني في المنصب، وأصغر زعيم أفريقي، فاز يوم الجمعة بجائزة نوبل المرموقة للسلام لعام 2019، الشاب الإثيوبي البشوش، عين في أبريل 2018، بعد أن أرغمت المظاهرات الغاضبة -التي استمرت ثلاث سنوات- سلفه على الاستقالة، ليرث ابن الأرومو، وضعا سياسيا واجتماعيا سيئا، تزيده تأزما علاقات متوترة مع الجارة اللدود إريتريا، وتهديدات بانتقال مشاكل من دول جوار الأخرى.

   

لم ينتظر آبي أحمد طويلا للبدء في تنفيذ رؤيته، وحل الأزمات التي تواجهها بلاده، فأطلق سراح المعتقلين السياسيين، وكبح جماح المسؤولين المتورطين في الفساد، ومنح النساء نصف مقاعد الحكومة، ورحب بعودة زعماء الحركات الانفصالية ورفع عنهم تهم الإرهاب والعمالة، وأطلق مبادرة سلام شجاعة لاستعادة العلاقات مع إريتريا التي جمدت منذ حرب حدودية اندلعت عام 1998، وسافر بنفسه إلى أسمرا للقاء الرئيس الإريتري أسياس آفورقي، وأعاد فتح الحدود وتشغيل رحلات يومية بين البلدين.

  

لم تكن طريق آبي أحمد لتنفيذ هذه الإجراءات مفروشة بالورود، فقد تعرض لمحاولة اغتيال خلال لقاء جماهيري وسط العاصمة أديس أبابا، بقنبلة يدوية لم تنفجر. واقتحم 250 جنديا مسلحا مكتبه في العاصمة في أكتوبر 2018 مطالبين برفع أجورهم، ونقلهم من المناطق النائية، عندما علم آبي أحمد باختياره للفوز يجائزة نوبل، قال إنه سعيد بهذا الاختيار، واعتبر أن هذه الجائزة منحت لقارة أفريقيا بأسرها، وليس له أو لأثيوبيا فقط، مؤكداً أن قادة آخرين في القارة يستحقون الفوز بالجائزة كذلك.

   

   

المثير للاهتمام اليوم ليس فوز آبي أحمد، ابن 43 عاما، بنوبل للسلام، فالجائزة منحت في السنوات الماضية لرؤساء وشخصيات كثيرة، بعضها أثار جدلا واسعا بشأن استحقاقه للفوز، بل الملفت أكثر أن يتمكن شاب إفريقي يافع ترعرع في بيئة ريفية بسيطة، من مجابهة أزمات تراكمية معقدة، في بلد متعدد الأعراق والإثنيات، يتجاوز عدد سكانه 100 مليون نسمة، وينجح في وضع اقتصاده في مصاف الاقتصادات الأسرع نموا في العالم، بمعدل زيادة للناتج الإجمالي وصل إلى 8.5% في 2018، ويستقطب في فترة وجيزة نسبيا شركات عالمية ومستثمرين من دول شتى لإطلاق مشاريع صناعية وزراعية كبرى في البلاد التي كانت قبل سنوات أكثر بلد في العالم تتهدد سكانه الأمراض المرتبطة بالمجاعة وسوء التغذية.

 

إن الشجاعة والصدق اللذين تحلا بهما آبي أحمد، منذ اليوم الأول لحكمه، مكناه من تجاوز عقبات كثيرة، ولعل هاتين الصفتين ضمنتا له قبولا لدى الشارع الأثيوبي، خاصة بين الشباب، الذين رأوا فيه ملامح مستقبل أكثر إشراقا، مستقبل يبنيه رجل منهم جمع في أدائه بين القول والفعل، وسعى بتؤدة لتحقيق معادلة "تصفير المشاكل الخارجية" التي أتاحت له مساحة أكبر للتركيز على التحديات الداخلية وبناء الأسس اللازمة لتشييد صرح أثيوبيا الجديدة.

  

لم يخرج آبي أحمد على المنابر ليعلن إطلاق نظرية سياسية جديدة، ولم يقل إنه ابتدع طريقة لم يسبقه إليها أحد في مجال الحكم الرشيد وإدارة السلطة، ولم يلقب نفسه بملك الملوك أو سلطان السلاطين، بل اختار أن يعمل في هدوء، ويترك أفعاله تتحدث عن نفسها، فالفعل الصادق أفصح وأعلى صوتا من الأقوال الجوفاء.

  

عندما سمعت خبر فوز آبي أحمد بجائزة نوبل، تذكرت قصة النجاشي، الملك الذي طارت أخبار حكمه العادل من الحبشة حتى وصلت إلى شِعب مكة في الحجاز، ولجأت إليه فئة مظلومة مطاردة من قومها، لا تملك جاهاً ولا مالاً، ولم تثنه محاولات كبار قريش وإغراءات رجالها عن الوقوف مع الحق والذود عن أصحابه. وأرجو ألا نرى ذات يوم فئة من شبابنا تلجأ إلى "نجاشي هذا الزمان" هربا من صلف بعض حكامنا وظلمهم و"مناشيرهم".