عملية "نبع السلام" وأهميتها بالنسبة للثورة السورية

BLOGS المعرضة السورية

تشكل عملية نبع السلام التي أطلقها الجيش التركي قبل عدة أيام شمال شرق سوريا حدثاً مفصلياً في تاريخ الثورة السورية، وذلك لأنها تحقق عدة أهداف استراتيجية، من ضمنها القضاء على عدو غير تقليدي شكل تهديداً كبيراً للسوريين على مدار السنوات السابقة.

انتفاضة أكراد سوريا في وجه الأسد

حرص أكراد سوريا على الانضمام إلى ركب الاحتجاجات ضد نظام الأسد في وقت مبكر من عمر الثورة السورية، الأمر الذي أكسبهم محبة كبيرة في قلوب الثائرين من أبناء باقي المحافظات السورية، وقد ظهرت عدة أسماء كردية في الحراك السلمي، أبرزهم الثائر مشعل تمو والذي تم اغتياله ضمن ظروف غامضة داخل مدينة القامشلي شمال غرب الحسكة. كان لـ مشعل تمو جهور واسع من الأكراد والعرب، فقد كان حريصاً على الوقوف في وجه نظام الأسد الطائفي، والذي أذاق أكراد سوريا الولايات من قتل وتهجير وحرمان من معظم الحقوق المدنية، لاسيما أثناء انتفاضة القامشلي في العام 2004، والتي راح ضحيتها مئات المدنيين الأكراد ما بين قتيل ومصاب، بسبب أفراط أمن النظام في استخدام العنف وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين الأبرياء.

بدأ نجم مشعل تمو باللمعان بين أوساط السياسيين المعارضين لنظام الأسد، وذلك لرؤيته السياسية الواسعة والواعية لتواتر الأحداث في سوريا، الأمر الذي أزعج الكثير من التيارات العسكرية، لاسيما حزب "بي كي كي"، حيث تشير بعض المعلومات أنه المسؤول الأول لاغتياله، حيث شكل هذا الحدث بداية مرحلة طويلة الأحداث المتسارعة لظهور العدو الأبرز للثورة للسورية بعد نظام الأسد.

ظهور الأحزاب الكردية وأهدافها الانفصالية
تمكن الأحزاب الكردية في وقت سابق وبمساعدة من القوات الأمريكية من السيطرة على مقدرات المنطقة الشرقية وثرواتها النفطية الكبيرة، وبدأت بإظهار عداوتها لاحقاً بشكل علني للجيش السوري الحر

خرج أكراد سوريا من معادلة الأحداث العسكرية المتسارعة في سوريا عقب انهيار نظام الأسد في المرحلة الممتدة بين عام 2012 وحتى عام 2014، حيث فرض الجيش السوري الحر وجبهة النصرة آنذاك سيطرتهم على مساحات شاسعة من أراضي سوريا، حتى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وسيطرته على معظم الأراضي المحررة شرق سوريا بعد طرد مسلحي المعارضة السورية منها.

شكلت عمليات التوسع لتنظيم الدولة في المنطقة الفرصة الذهبية للأحزاب الكردية الانفصالية لجذب أنظار العالم إلى دعهم بحجة مكافحة الإرهاب، حيث أعلن ولأول مرة عن ولاة ما يعرف باسم الإدارة الذاتية، الذراع المدني لحزب الاتحاد الديمقراطي، والذي يعتبر الوجه السوري لحزب "بي كي كي" المصنف على لوائح الإرهاب التركية. مع بدأ "تنظيم الدولة" في معارك الاستنزاف للسيطرة على مدينة عين العرب "كوباني" بدأ حزب الاتحاد الديمقراطي بمناشداته الدولية لمساعدته في صد الهجوم والضغط على الحكومة التركي للسماح بوصول التعزيزات إليه من العراق، وبالفعل رضخت تركيا للمطالب الدولية، وتمكن الحزب بالإشتراك مع الجيش السوري الحر من صد هجوم التنظيم وابعاده خطره عن المنطقة.

الأحزاب الكردية تطعن ثوار سوريا

تمكنت الأحزاب الكردية خلال مدة قصيرة من كسب ثقة التحالف الدولي والولايات المتحدة الأمريكية من خلال بروزها كرقم صعب في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، على حساب فصائل الموك المدعومة أمريكياً، حيث بدأت الولايات المتحدة بالتخلي عنها تدريجاً. مع تنامي قوة الأحزاب الكردية، بدأت الخلافات بينها وبين فصائل الجيش الحر بالتوسع، حيث كان هدف الأحزاب الكردية الأساسي بناء دولة كردية شمال شرق سوريا، على حساب المناطق العربية، حيث بدأت بعمليات تهجير ديمغرافي للسكان العرب، واستبدال أسماء القرى العربية بأخرى كردية، من ثم الاعلان عن ولادة ما يسمى "روج آفا"، الأمر الذي أثار قلق تركيا آنذاك.

تمكن الأحزاب الكردية في وقت سابق وبمساعدة من القوات الأمريكية من السيطرة على مقدرات المنطقة الشرقية وثرواتها النفطية الكبيرة، وبدأت بإظهار عداوتها لاحقاً بشكل علني للجيش السوري الحر، والذي كان السبب الرئيسي الذي ساعد على وجودها. انتهجت الأحزاب الكردية لاحقاً نهج نظام الأسد في حربه ضد الشعب السوري، حيث عمدت بالتضيق على الناشطين في مناطق سيطرتها، والعمل على الممارسات الاستفزازية بحق العرب، والانتهاكات الكثيرة بحقهم، حيث امتلأت السجون الكردية بآلاف المدنيين العرب، والتهمة جاهزة بحقهم وهي التعاون مع تنظيم الدولة.

عملية نبع السلام التركية

شكل إعلان العملية العسكرية شرق الفرات حدثاً مفصلياً في تاريخ الثورة السورية، كون العدو المستهدف في هذه العملية غير تقليدي على الإطلاق، كونه مدعوم من أقوى دولة على ظهر هذا الكوكب، الأمر الذي شكل من عودة الثورة السورية إلى هذه المناطق حلماً بعيد المنال، حيث لا يمكن عودة الثورة إلى شرق سوريا إلا عبر هذا السيناريو. وقد سارعت الأحزاب الكردية بعد تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عنها وتركها لمواجهة مصيرها المحتوم إلى الارتماء في حضن نظام الأسد، حيث أعلنت عن استعدادها للقتال إلى جانب الأسد، الأمر الذي رفضه الأخير بحجة أنها مرتهنة للأوامر الخارجية وأهدافها الانفصالية.

فبعد أن جاهرت الميلشيات الكردية في عدائها للثورة السورية وارتمائها في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية، وتطبيعها مع الكيان الصهيوني، هاي هي تحاول الآن الارتماء في حضن نظام الأسد، دون أن تقدم أي سبب واضح لعداء الثورة السورية والتي لولاها لبقيت هذه الأحزاب مشردة في جبال قنديل دون أدنى فرصة للحياة.