الأنظمة المهيبة.. لا تكمم الأفواه ولا تصطاد الصحفيين

blogs ثورة

إن بناء دولة الحق والقانون لا ينسجم مع تكميم الأفواه وتسليط سيف القضاء على كل متحدث بتلفيق التهم للمخالفين والنقاد والمعارضين؛ والذين يعملون على كشف ملفات الفساد ويتتبعون الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي واختلالاته. لقد عرفت ساحة الصحافة بالمغرب في الآونة الاخيرة معضلة كبيرة، بحيث تم متابعة صحفيين شباب قضائيا وكما تم تغريم آخرين، مما يعد انتكاسة غير مسبوقة في هذا المجال، وخصوصا أن المتابعات القضائية، والتي أغلبها كان بتهم أقل ما يمكن القول عنها أنها ملفقة، كتهم بفساد أخلاقي أو قضايا تتعلق بالجنس والمتاجرة بالبشر أو كشف معلومات سرية تتعلق بتقارير حول فساد بعض المسؤولين. إن الدولة التي لا ترتكز على صحافة حرة تبقى دولة تنحو منحى الشمولية وتخفي تضعضعها ومدى الوهن الذي أمسى يستشري في مؤسساتها، والهواجس السيئة التي تطارد بعض المسؤولين الذين يتخفون وراء سلطهم المختلفة، فيستعين هؤلاء بمهامهم أو مسؤولياتهم للانتقام من أي متفوه بكلمة بحقهم.

إن مسؤولية الدولة والأنظمة في حفظ النظام وتقوية آليات الممارسة الديمقراطية لا يتم من مدخل قمع الحريات، خصوصا ما تعلق بحرية التعبير عن الرأي، والدولة التي تتصالح مع ماضيها الذي شهد انتهاكات لحقوق الإنسان، وسبق وإن اعترفت بأخطائها ومسؤوليتها حول هذه التجاوزات، لابد أن يعيد كل من تموقع في موقع مسؤولية التفكير في ممارساته السلطوية ويكبح بقوة القانون جماح قوته اللاأخلاقية وقراراته اللامسؤولة التي منبعها الانتقام والتكميم والتلفيق والمصادرة..، وينتبه للتجاوزات والخروقات التي تستمد قوتها من الشطط في استعمال المنصب والمسؤولية دون غيره.

محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير

إن عالمنا العربي يعيش منذ فترة مخاضا عسيرا في كل ما يتعلق بحرية التعبير والصحافة، وقد سبق أن استبشرنا خيرا بالربيع الديمقراطي الذي واكبنا اخباره وتطوراته في كل مجال بشيء من الأمل والتفاؤل، إلا أننا اليوم، وبعد المتغيرات المتلاحقة في كل بلدان الربيع نشهد كثيرا من التجاوزات والاخفاقات والنكبات، بحيث أضحى المواطن في هذه الدول متشائما بما تجود به آفاق الحرية، ومتشككا من أي مشروع يتبنى التغيير أو يدعو اليه، ومؤشرات الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة، وهي القوة الديمقراطية الصاعدة بين هذه الدول التي تعرف تحولا جنينيا، تؤكد هذه المؤشرات أن المواطن اكتفى من الخطابات السياسية الغوغائية ومن المؤسسات الرسمية السياسية التي كان لها تراكم تاريخي في النضال، وهي تتطلع بشيء من الأمل الى طبقة من المثقفين المحايدين الذين ابتعدوا عن أي ممارسة سلطوية أو مسؤوليات حزبية أو سياسية رسمية، مما يعني أن المؤسسات عندما تمارس الالهاء والتزييف والتضييق لا تواجه من الشعب إلا بالكراهية والمعارضة والتصويت الانتقامي، ولا يمكن إلا أن نستشعر نفس الامتعاض والسخط في تصريحات وممارسات بقية الشعوب العربية والأقليات من المحيط إلى المحيط بسبب سوء التدبير السياسي وفداحة الأخطاء التنموية وسقوط الخطابات السياسية في الفراغ واللامعنى.

والمغرب جزء من هذا الامتداد التاريخي والعمق الاستراتيجي والجيوسياسي لبقية هذه الأطراف والبلدان، ويسود شعور بالسخط العام فئات عريضة من الشباب المغربي، فهم لا يتطلعون لأي انفراج في أفق الإصلاح السياسي أو الاقتصادي، وللأسف أصبح غالبية المثقفين يائسين من الوضع العام ولا يتطلعون لحدوث تغيير كبير، وأمسى الجميع يسخرون من مصطلحات مكررة في خطابات الساسة من مثل الانتقال الديمقراطي، والمجتمع الحداثي، والعهد الجديد، وحتى النموذج التنموي الذي تبناه المغرب أمسى في خبر كان باعتراف المؤسسات الرسمية نفسها، وهذه الاختلالات والقضايا تنشرها الصحافة المغربية الحرة، وتعالجها يوميا وتتابعها أقلامهم الحرة باهتمام، مما يحرج بعض الفاعلين السياسين.

إن محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير..، اليوم تأتي قضية الصحفية هاجر الريسوني التي تم الحكم عليها بالسجن سنة في يومه: 30 شتنبر 2019م بتهمة "الاجهاض غير القانوني"، لتزيد هذه القضية تعقيدا، وتظهر منحى المتابعات الكوميدية الذي تنتهجه بعض الجهات، لكون الملف منذ انفجاره شهد خروقات تؤشر على أن القضية ملفقة، وأن تكميم الأفواه لا يكون إلا بربط الصحافة بالفساد الأخلاقي وبتشويه الجسم الصحفي بشتى السبل، حتى لو تعلق الأمر بتبخيس دورهم في الكشف عن اختلالات بعض المسؤولين وتجاوزاتهم. إن ترهيب الأقلام الحرة، والتضييق على الصحافة وتسييج حركات الباحثين عن الحقيقة بحدود نارية حارقة، القصد منه تغذية الفزع لديهم، ودفعهم لإعتزال المناطق الخطيرة المرتبطة بالتحقيقات والأسرار والحقائق التي تهم الرأي العام، للإبقاء على الأمية والجهل وليسهل التلاعب بعقل البسطاء.

إننا نرنو لبناء مجتمع ديمقراطي وعتبته الأولى لن تكون إلا بالإبداع وحرية الرأي، وأي مشروع سياسي أو نظام لا يقدر هذه الحقيقة ولا يسعى لتكريسها فإن ادعاءه العمل على الدفع بالانتقال الديمقراطي في نسقه وبين أفراد شعبه، سيعد تزييفا للوعي وتلاعبا بآمال عموم المتطلعين للحرية والانعتاق من أبناء الشعب. وإخفاق الأنظمة في تحقيق التطلعات الطبيعية للناس من تحقيق للكرامة والحرية والعدالة وإطلاق لحرية الفكر والرأي لن يعني إلا الدخول في مرحلة من مراحل الهشاشة السياسية، فالأنظمة المهيبة لا تخشى الحرية ولا تصطاد أبناءها بطرق مشبوهة، ولا تغطسهم في البرك الضحلة المتسخة لتشويههم أو تقطع أوصالهم في لحظة غفلة منهم وخصومة معهم، فهذه الممارسات تكون مَدعاة لها لفقدان التوازن ويورطها في سلسلة من الاضطرابات التي قد تعصف باستقرارها السياسي والاجتماعي، ومَدعاة لفقدان مؤسساتها لهيبتها وثقة المواطنين فيها. وحينما يتراكم الوعي الجمعي سينمو التساؤل الشعبي حول مشروعية الارتباط بمشروعات سياسية غير منتجة، تتسم بكثير من الارتباك وترفض أي انخراط في المفاهيم المعاصرة، وهي لا تبدي استعدادا لتطوير آليات اشتغالها، وتمعن في التراجع عن مكتسبات حقوقية وشعبية سابقة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة