ما لم يَقلهُ لقمانُ لابنه!

BLOGS أب و ابن

يوماً ما ستخسرُ كلَّ شيءٍ -تقريباً- لكنَّك لن تحزن رغم إدراككَ أنَّ كلَّ شيءٍ قد ذهب، ستجلسُ لتستمعَ لمقطوعتكَ الموسيقيةِ المفضلةِ وتكاد تجزمُ أنَّك تسمعها لأوَّل مرَّةٍ، أو كأنّ الفاقدين كلَّ شيءٍ يتذوقون بشكلٍ مختلف؟! يوماً ما ستدركُ أنَّ الخير والشر هما محضُ خدعةٍ تُسيَّرها الأنانيَّةُ البشريَّةُ، فما هو شرٌّ لك خيرٌ لغيرك، يفوز فريقك خيرٌ لك ويخسر فريق صديقك شرٌّ له، لا يوجد خيرٌ محضٌ ولا شرٌّ محضٌ كلاهما انعكاسٌ لأهوائنا البشريَّة، ستخرج من إطار الأقطاب والأضداد لتراهما يحملان بعضهما، وجود أحدهما شرطٌ لوجود الآخر.

يوماً ما ستدرك أنَّ الحروب ضرورةٌ وأنَّ التعاون ضرورةٌ، وأنَّ الثابت يهلك والمتحرك يتحول والتوّحد ركود والتنوع حياة، وكلَّما زادت ألوان الطبيعة زادت حياةً وأنَّ الزهرةَ تحملُ نفسها على تغيير لونها إذا تشابهت ألوان زهور الحقل. يوماً ما ستدرك أنَّ الحرية فكرةٌ مثاليةٌ يُصابُ بها المقيَّدون، فالجائع يحلم بكلِّ أشكال الطعام وإذا وضعتَ المائدة أمامه لا يكاد يتناول سوى بضعة أصنافٍ ويشبع. وستدرك أنَّ البشرية سائرةٌ إلى الأمام والإنسانيَّة إلى الوراء وأنَّنا مصابون بداء حبِّ الامتلاك حتى نعوِّض ما نفقده داخلنا كلَّ يومٍ، يوماً ما سنملك كلَّ شيءٍ إلا أنَّنا فارغون جداً يا صديقي.

يوماً ما ستنظر لما فعلته بك علاقةٌ عاطفيَّةٌ فاشلةٌ وتقول في نفسك "هنالك سبعة مليار إنسان على هذا الكوكب لماذا لا أستطيع تجاوز أحدهم! وستتجاوزه". يوماً ما ستدرك أنَّك لستَ السفينة وتجري الرياحُ بما لا تشتهي، ولستَ الرياح أيضاً بل أنتَ السمك الغارق في بحر الحياةِ تسير إلى وجهاتك بانحناءاتك مع تياراتها. يوماً ما ستدرك أنَّ الماضي والمستقبل وهمٌ وأنَّنا لا نملك سوى هذه اللحظة "الآن" وحينما تُدرك هذا ستبدأ حياتك، ستتنفس لأوَّل مرَّةٍ وتتذوق طعامك المفضَّل كأنَّك لم تتذوقه من قبل، ستنظر إلى الناس وتراهم غارقين في الماضي وتجاربهم فيه، وحالمين بتغيير حياتهم الفائتة في المستقبل، هم نائمون يا صديقي ويسيرون خلال نومهم اليقظ. 

يوماً ما ستدرك أنَّ الموت أحد معاني الحياة ونقيضه الولادة أمَّا الحياة لا نقيض لها، بل هي ما ينتج عن تفاعل المتناقضات مع بعضها

يوماً ما ستدركُ أنَّ جميع الأديان على حق في كينونة رسالتها، فهي تسعى لبناء منظومةٍ تؤمن بذلك الغائب وإنْ اختلفت طرقها في البحث عنه. وستدرك أنَّ الحقيقة تلك المرآة التي كسرها الربُّ فأخذت كلُّ فئةٍ قطعةً منها ونظرت إلى نفسها بها وقالت: أنا الحقيقة المطلقة.. لذلك أولى خطوات التسامح أنْ تعرف كلُّ فئةٍ أنَّها تملك جزءً فقط. يوماً ما ستدرك أنَّ أقصر طريقٍ للنجاة ليس الصدق، ولا الكذب بل أن تكون ذاتك. وأن وجودك في الحياة ليس محدداً بفترةٍ زمنيةٍ ولا مقدار ما تنجزه؛ بل مقدار ما تعرفه عن ذاتك.

يوماً ما ستدرك أنّه كلّما عَظُم الشيء كثرتْ طرق الوصول إليه، فالطريق الواحد والوسيلة الواحدة هي سمة المحدود البسيط، وأنَّ طرق الوصول إلى الله كثيرةٌ حدَّ أنَّ لكلَّ إنسانٍ طريقه الخاص في الوصول إليه، فالفلاح الذي رأى الله في تقلَّب الحقل أو في جمال زهرةٍ والعالِمُ رأه في تعقيدات الأنظمة وذلك الإنسان رأه في إنسانيته، يتجلى الله في كلِّ شيءٍ وأقرب من كلِّ شيءٍ فلا تدَّعي أنَّ طريق الوصول إلى الله واحدةٌ وهي ما أنت عليه وغيرها باطل.

يوماً ما ستدرك أنَّ الموت أحد معاني الحياة ونقيضه الولادة أمَّا الحياة لا نقيض لها، بل هي ما ينتج عن تفاعل المتناقضات مع بعضها. ستتوقف عن النظر للموت على أنَّه النهاية وللولادة على أنَّها البداية بل كلاهما ضروريان لاستمرارية الحياة. أمَّا شعور النهاية الذي نشعره بعد موت شخصٍ مقرّبٍ لنا هو نهاية تجسيد عاطفتنا تجاهه نهاية تشارك اللمسات والنظرات والحديث وكذلك الولادة هي بدايةٌ لهذا التجسيد.

يوماً ما ستحمد الله أنَّه خلقك وفي يومٍ آخر ستتمنى أنَّه لم يفعل.. سترى نفسك عظيماً في يومٍ، وفي آخر ضعيفاً جداً، ستحب يوماً وتكره آخر وتكون لطيفاً يوماً وآخر قاسياً، أنتَ حصيلة كلِّ المتناقضات التي تشعر بها. أنتَ لستَ خجولاً دائماً بل في يومٍ ما كنتَ خجولاً وفي آخر لا، وكذلك لستَ طيَّب القلب حقوداً أو بائساً دائماً، لا تعرَّف نفسك بصفاتٍ وصورٍ فإنْ عرَّفتها ظلمتها وإن جهلتها ظلمتها.. ستستشعر راحتك الداخلية حين تُدرك أنَّك كلُّ ذلك ولستَ أيَّاً من ذلك. وفي النهاية ستنظر إلى حياة الإنسان على أنَّها رحلةٌ للبحث عن المعنى وعن ذاته، سلوكها جبري والوصول مُحال؛ لكنَّها متعة الترحال.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة