كل مجرم هو إنسان في الأصل

BLOGS حزن

لا يجب علينا أن نتسرع في الحكم على الآخرين، بمجرد ما يصبحوا متهمين، ذلك أن الحالة التي وصلوا إليها، أو الواقعة التي جعلت منهم مجرمين، هذه الحالة كان بالإمكان أن يصل إليها أي شخص إذا مر من نفس الظروف والشروط التي مر منها المجرم، فهذه الظروف بالإضافة إلى البيئة وطبيعة التربية كلها بمثابة محددات تضعنا أمام ما يمكن أن يكونه الشخص، دون أن ننسى فرضية سيغموند فرويد التي تعتبر بأن طفولتنا تحدد ما نكون. فبقدر ما تكون هذه الطفولة قاسية أو سيئة أو ليست كما ينبغي أن تكون، تدفعنا بشكل غير مباشر لأن نكون جزء من هذه الطفولة، وتصبح هذه المرحلة هي التي جعلت منا ما وصلنا إليه.

 

عندما يرتكب مجرم ما جريمة معينة، فهو متهم بدون مبررات، هذه المبررات وهذه الأسباب لا يتم أخذها بعين الاعتبار أثناء الحكم على المجرم، بل كل ما يؤخذ هو جريمته، وتبقى الأسباب التي دفعته إلى ذلك خفية، هذه الأسباب قد لا يتدخل فيها، بقدر ما يصبح نتاجا لها، وهو الذي قد يكون تمنى ذات يوم أن يكون إنسانا، لكن الظروف غيرت مساره، والأسباب ملأته بالقدر الكافي من الإرادة لكي يفكر ويقرر أن يفعل ما فعل، ومهما يكن ما فعل، فكل ما فعله ليس سوى نتيجة للأسباب التي تورط فيها حتى أصبح مجرما.

 

عندما يصبح الإنسان خاضعا للشروط التي تدفعه لكي يصير مجرما، فهو حتما سيصير مجرما، أو قد يكون مجرما عندما تسمح له الأسباب بذلك، هذه الشروط إذا توفرت لأي إنسان كيفما كان، فهو حتما سيخرج من نفس النفق الذي خرج منه المجرم، لأن العقلية الإجرامية والتفكير بهذا المنوال هو نتيجة مجموعة من الشروط التي تدفع بالشخص لأن يصير كما أرادته تلك الشروط، فإذا كانت هذه الشروط إيجابية في مجملها، فهي ستقود الشخص لكي يكون إيجابيا، أما إذا كانت سلبية، فالشخص سيصبح سلبيا، وهنا يبدو أقرب لأن يرتكب أي شيء، وهذه الشروط تشمل كل ما يحدد الشخص من تربية وتنشئة وبيئة، هذه العوامل تجعل الإنسان خاضعا لها ونتاجا لها.

 

إذا كان كل إنسان بمثابة مشروع مجرم، وكان كل مجرم هو إنسان في الأصل، فلا يجب أن نحكم على أي مجرم انطلاقا من جريمته فحسب، بل يجب أن نأخذ ظروفه وأسبابه التي أوصلته إلى حاله تلك

عندما نتحدث عن التربية، فإننا نتحدث عن مجموعة من المؤسسات تمارس هذا الفعل، وتؤطره، وتخضع الناس له، ويبقى أبرز هذه المؤسسات مؤسسة الأسرة وتليها المدرسة، فإذا كانت الأسرة تمارس التربية كما ينبغي، أو بالأحرى بطريقة ملائمة بعيدا عن العنف والإخضاع والإجبار والقمع، فإن الشخص نتاج هذه الأسرة سيكون طبيعيا في مجمله، أما إذا كانت التربية عكس ذلك، فمن المتوقع أن يخرج هذا الشخص عن السيطرة، ليصبح من المحتمل أن يكون مجرما، أما دور المدرسة فهو بمثابة مكمل لدور الأسرة، وقد يكون توجيهيا إرشاديا تأطيريا مبنيا على التعقل والتحضر، كما أنها تحاول أن تجعل من الإنسان إنسانا، لكن إن كانت المدرسة لا تمارس دورها كما ينبغي فلن تنتج لنا إلا أجيالا يُتوقع منها أسوأ مما هي عليه.

 

تشكل بيئة الشخص ومحيطه جزءا مهما من تنشئته، ويمكن اعتبارها بمثابة تربية سلبية يأخذها الشخص بشكل غير مباشر، إذ يصير الشخص خاضعا لبيئته على نحو واسع، فهو ابن بيئته في النهاية، وبقدر ما تكون هذه البيئة مليئة بالسلبيات فهي حتما ستدفع بأبنائها لأن يتبنوا أفكارها وتفكيرها ونظرتها، وهكذا يمكن أن يصيروا خارجين عن سياق التربية التي قد تمارسها الأسرة بشكل فعال، بالإضافة إلى تربية المدرسة، لأن الاحتكاك بالبيئة يجعل من الشخص شخصا متكيفا معها ومنتميا لها ومتبنيا لسلوكاتها وتصرفاتها، وإذا كانت هذه البيئة تمارس سلوكاتها على نحو مقبول مبني على الاحترام وتبني أفكار إيجابية، فهي ستؤثر على أبنائها لكي يصيروا إيجابيين، وهنا الفرق بين أن تنتمي لبيئة سليمة وأن تنشأ وسط بيئة فاسدة.

 

إذا كان كل إنسان بمثابة مشروع مجرم، وكان كل مجرم هو إنسان في الأصل، فلا يجب أن نحكم على أي مجرم انطلاقا من جريمته فحسب، بل يجب أن نأخذ ظروفه وأسبابه التي أوصلته إلى حاله تلك، بالإضافة إلى الشروط التي ورطته في طبيعته السلبية تلك، فقد يكون منسيا وملغيا من طرف الشروط التي قد تجعل منه إنسانا، وقد يكون مرفوضا ومقموعا من طرف البيئة التي كان يعتقد نفسه منتميا لها، وقد يكون جاهلا للطريق الذي يمكن أن يسلكه نحو مسار صحيح في حياته، وقد يكون غارقا في الوحل الذي وجد نفسه فيه، ليجد صعوبة في أن ينتشل نفسه منه بعد أن يكون الآوان قد فات، وقد يكون سهلا للانقياد من طرف المستغلين الذين يتلاعبون بالعقول التي منعتها الظروف من التكوين والانفتاح، كلها أسباب لم يجد أمامها المجرم إلا الانصياع، وكلها أسباب دفعت به لكي يصير مجرما بعد أن ولد إنسانا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة