هذا فقط ما يستحق خوفنا كمسلمين!

blogs صلاة

لم أنم هذه الليلة جيّداً وأنا أتحضَّر لمقابلة العمل، وأعصفُ ذهني ماذا يمكن أن أُسأل؟ وكيف سأُجاوب أدقَّ وأسرع جواب يؤهلني للقبول؟ وماذا سأرتدي لأكون بالشكل اللائق الأنيق؟ ولما عدتُ منهمكةً متعبةً من شدة القلق والتوتر، سمعت أذان الظهر فقلت لنفسي سأنامُ أولاً لآخذ قسطاً من الراحة، ثم أصلي. وبعد أن استيقظت صلّيت لكن بقلب مشغول، بأمور الحياة والعمل والمسؤوليات. صلّيت دون أن أستحضر كلَّ حواسي، وأدرك معنى أن الله أكبر وحيَّ على الصلاة.. حيَّ على الفلاح.

أعلم أن هذا وللأسف حال أكثرنا من المُصلّين.. تساءلتُ ماذا لو كانت لهفتنا على الصلاة واستعدادنا لها كأمور دنيانا، ماذا لو كنا ننتظر مواعيدها بفارغ الصبر، كانتظارنا وظيفة أو ترقية أو موعد مع الأحبة! ولو كانت كذلك لكانت حياتنا جنة وتحول كدرنا لسعادة ورضى، ولتبدلت أحوالنا إلى أحسنها؛ ولذلك فإني أرى أن ما يستحق الخوف في هذه الحياة فعلاً هو أن نصلي.. نركع ونسجد ونتلو ما تيسر من القرآن لكن لا تقبل صلاتنا، ولا ترفع إلى الله لأنها لا تليق بجلاله وعظمته.

أكثر ما يخيف حقّاً أن تأخذنا الحياة من استشعار قرب الله منا في الصلاة، ومناجاته بقلب سليمٍ وروح خالصةً له. أكثر ما يخيف حقاً أن تصبح صلاتنا حركاتٍ رياضيةً لا أكثر، ركوع وسجود، قعودٌ وقيام، ولسان يحفظ عن ظهر قلب مع غياب للجوارح بلا أدنى تدبُّرٍ أو تفكُّر؛ لأن الصلاة هي الصلة بين العبد وربه.. هي الفرق بين المسلم والكافر، فهي عمود الإسلام وثاني أركانه، ولأهميتها فرضت في ليلة الاسراء والمعراج.. في توقيت غير عادي، عبر أعظم رحلة إيمانية في تاريخ البشرية.

لنتذكر مهما شغلتنا الحياة أن صلاتنا أول ما سنحاسب عليه في الآخرة، وأن من صلحت صلاته استقامت حياته؛ وهذا كافٍ ليجعل قبولها وصلاحها فقط ما يستحق خوفنا في حياتنا

وعلينا أن ندرك أن الصلاة هي منّة الله علينا، وتشريفٌ لنا أكثر من كونها تكليفاً، فنحن من نحتاجها لا هي من تحتاجنا، فهي فرصتنا لنلقى الله ونقف بين يديه في كل وقت، نناجيه وندعوه بلا وسيط، نحظى بصلة ملك الملوك، ذو القوة والجبروت، الحي الذي لا يموت، بلا موعدٍ أو تنسيق وليس هذا فحسب بل يزداد حبه لنا كلّما طرقنا بابه، ووددنا لقاءه.. إنها رحلتنا الروحية التي يجب أن نهرب بها من الحياة بكل ما فيها، ننسلخ عن واقعنا قليلاً.. نسترق الراحة والطمأنينة من جوف الوقت وصخب الدنيا.

فما علينا فعله إذا حانت الصلاة أن نخلع عنا رداء القلق والتعلق بكل الأمور الماديّة.. علينا أن ننسى كل ما يؤرقنا ونطرحه أرضاً.. علينا أن نكون بجزء من تعلق قلب الصحابي الجليل عروة بن الزبير بن العوام بالصلاة حين أصيبت ساقه بمرض الآكلة "الغرغرينا "أثناء سفره إلى دمشق حتى تلفت نصف ساقه، فدخل على الخليفة الوليد بن عبد الملك فاستدعى له الأطباء لما رآه بهذا الحال، فأجمعوا على أن العلاج الوحيد هو قطعها قبل أن يسري المرض إلى الرجل كلها، فقابل عروة هذا القدر قائلاً: اللهم لك الحمد.

واجتمع الأطباء على عروة مقترحين عليه شرب الخمر حتى لا يحس بألم البتر، فرفض تماماً وأبى وقال: كيف أشربها وقد حرمها الله في كتابه؟! قالوا: فكيف نفعل بك إذاً؟! قال: دعوني أصلي، وافعلوا ما تشاؤون، فقطعوا ساقه وهو خاشع لم يبدِ أي تذمر؛ لأن قوة تعلق قلبه بالصلاة كانت أكبر من قوة الألم؛ لأنه كان حاضراً بكل جوارحه بين يدي ربه، مذعناً له، مسلِّماً أمره إليه.

 

فلنتذكر مهما شغلتنا الحياة أن صلاتنا أول ما سنحاسب عليه في الآخرة، وأن من صلحت صلاته استقامت حياته؛ وهذا كافٍ ليجعل قبولها وصلاحها فقط ما يستحق خوفنا في حياتنا. فلنقف عليها.. نقيِّمها أولاً بأول فنقوِّم أيَّ نقصٍ يعتريها، ولنؤديها بما يليق مع جلاله حتى لا تطوى وتقذف يوم القيامة في وجوهنا. فاللهم إني أستغفرك عن كل تقصير في صلاتي، وأسألك الخشوع فيها والقبول. اللهم باعد بيني وبين كل ما يحرمني لذة القرب في طاعتك أنا وكل من يقرأ.



حول هذه القصة

للقصة بقية- كواليس التدخل المصري في ليبيا

عرضت حلقة (2018/01/07) من برنامج “للقصة بقية” تقريرا تفصيليا يتناول عمليات الجيش المصري في ليبيا؛ وتساءلت: ما مستقبل العلاقة بين مصر وحفتر بعد رفضه المشاركة في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

Published On 7/1/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة