مفاهيم خاطئة هي السبب لفقدان الحافز للعمل

blogs - office

إذا أردت أن تتعرف أكثر على حقيقة العمل وفوائده، ما عليك إلا أن تسأل من أحيلوا على التقاعد الوظيفي، لسان حالهم يقول، عندما توقفنا عن العمل توقف معه العطاء، ووهن الجسم، وانعكس علينا سلبا في صحتنا وتعاملنا في بيوتنا، وكثر الفراغ، واشتغلنا بالتوافه، العمل بالنسبة للإنسان هو صحة للبدن والعقل وهو روح هذه الحياة، وبه يشعر الإنسان أن له دور في هذه الحياة، ويفجر به قدراته ومؤهلاته، إن من أهم أسباب تأخرنا وتراجعنا هو تهاوننا وتكاسلنا في العمل، ولنا في سيرة النبي والأنبياء قبله من الهُدى إلى أهمية العمل يتجلى لنا من خلالها أن العمل من صميم تعاليم ديننا.

لقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في رعي الغنم ثم عمل في التجارة، إنها مشيئة الله وإرادته أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يعمل ويكد ويكسب من عمله، ليكون قدوة للمسلمين ودعوة للتكسب وبذل الجهد، وتأمل في حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمل حتى في أحلك الظروف وهي قيام الساعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل"، معناه أن المسلم يستمر في العمل، ولو كان قبل القيامة بلحظات، فإنه مأجور على ذلك، وأن يكون للمسلم دورا في هذه الحياة بقدر استطاعته، كما أنها رسائل للتفاؤل والمشاركة في الحياة ، فلا يقل أحدنا قد اقتربت الساعة فلا نعمل، بل المسلم عليه أن يكون إيجابيا حتى آخر لحظة في الحياة.

وهذه سيرة الأنبياء والمرسلين من قبله، فقد عمِل سيّدنا موسى -عليه الصّلاة والسّلام- في رعي الغنم، قال تعالى: "وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ"، وكان سيدنا داود – عليه السّلام- يأكل من عمل يده، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" المشهور من صنعته – عليه السّلام- أنه كان (حدادا) اشتهر بصناعة الدّروع، إن أنبياء الله لم يمنعهم العمل من تبليغ الرسالة وعبادة الله فكانوا هداة مهديين في التعامل مع أمور دنياهم وتبليغ دينهم.

هناك فئة من الناس هدفه الربح السريع، ولا يهمه من أين يكتسبه، فيلجأ إلى القروض الربوية، فيصبح بين عشية وضحاها من رجال الأعمال

إنها سنة الله في خلقه، جعل الله الفطرة الكونية تنبذ الجمود وتزكي الحركة، وكما يقول أجدادنا في المثال الشعبي "إن في الحركة بركة"، ومن المتعارف عليه "أن الماء الذي لا يتحرك يأسن"، وفي حركة الماء ضمان لحيويته وصفائه، حتى الحيوان يسعى إلى رزقه وببحث عليه، وممكن يقاتل ويقتل، ولا يأتيه جاهزا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً" فالطيور تغدوا يعني تخرج مبكرة من أوكارها تبحث على رزقها طيلة النهار، والإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والرسالة، أولى به أن يتوكل على الله، ويبذل السبب ويعمل فيرزقه الله كما يرزق الطير.

اختلطت المفاهيم عند كثير من الناس، وساء مفهوم التوكل عندهم، وصرنا نرى في مجتمعاتنا الإسلامية من يترك أهله وعياله ويخرج ليمارس الدعوة، يتركهم يسألون الناس إلحافا دون من يعولهم، ومن يكون لأولاده في تربيتهم وتعليمهم، ومما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه وجد ثلاث رجال في المسجد منقطعين للعبادة وأنه سأل آخرهم نفس السؤال الذي سأله للآخرين فقال له من أين تأكل فَقَالَ: إنَّ النَّاسَ يَرَوْنِي، فَيَأْتُونِي بِكِفَايَتِي، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ لَهُ اُخْرُجْ إلَى السُّوقِ، فلا غنى لأي أحد عن العمل المباح المرجو منه أن يكف نفسه وأهله عن سؤال الناس، وينفع المسلمين.

وفئة أخرى من الناس هدفه الربح السريع، ولا يهمه من أين يكتسبه، فيلجأ إلى القروض الربوية، فيصبح بين عشية وضحاها من رجال الأعمال، يسهر إلى آخر الليل ويستيقظ متأخرا يقصد المقهى ينتظر الأرباح تأتيه من مستأجراته، إنه لا يعرف قيمة للعمل ولا مقدار الجهد الذي يبدله العاملين ولا حتى قيمة المال الذي عنده، لأنه لم يكسبه من عمل يده ومن عرق جبينه، إنه لا يعرف من أين تؤكل الكتف، المال إذا لم يسهر عليه صاحبه ويحسن التخطيط والتصرف، سرعان ما ينفد ويضيع، هذه السلبية التي هي من أبرز العقبات التي تحول بين الفرد وبين نجاحه في عمله، وجب عليه التخلص منها، والاعتماد على النفس وإيجاد شركاء إيجابيين في عمله.

بين هذا وذاك، وتحديدا للمفاهيم، في الإسلام ليست العبادة أن تقعد عن العمل وغيرك يسعى في رزقك، ولكن تعبّد واسعى إلى كسبك وابتغي من فضل الله، وعليك أن تتحرى الكسب الحلال، تحرك وعمل وأخلص النية لله تستشعر عون الله وتوفيقه وتأييده، واحرص على أن يكون عملك مشروعاً، ويكون دخلك حلالاً، ليبارك لك الله في دنياك وآخرتك.

علينا أن نعمل ونحسن ما نعمل، لأن أوقات العمل تأخذ من حياتنا علينا أن نستمتع بها، ونغير من طريقة تفكيرنا التي لابد وأن تتسم بالإيجابية
علينا أن نعمل ونحسن ما نعمل، لأن أوقات العمل تأخذ من حياتنا علينا أن نستمتع بها، ونغير من طريقة تفكيرنا التي لابد وأن تتسم بالإيجابية
 

لو لم يجتهد الدول المتقدمة في العمل وتفانيهم فيه لما وصلوا إلا ما هم عليه اليوم من التطور والرقي، وهم يجنون ثمرة سنين طويلة من الاجتهاد إبان الثورة الصناعية وما قبلها، اعتمدت الدول المتقدمة على الأفكار والتخطيط والعمل المنظم، وعرقنا في الفوضى والكسل، ابتعدنا عن تراث حضارتنا الإسلامية السابقة التي بنيت بالجدية وعلى قدر عالي من المسؤولية والإخلاص والتفاني في العمل، وفي ضل هذا التفاوت بين العالمين المتقدم والمتأخر، وجب علينا ضرورة العمل بجدية من أجل تحقيق التنمية والعيش الكريم.

لن نستطيع أن نلحق بركب المتقدمين بالنوم والسلبية، علينا أن نتخلص من الفكر السائد الذي يدعوا إلى الانتهازية والانهزامية، فعندما نستطيع القضاء على السلبية بصورة نهائية، والعمل على تخطي كل التحديات، وتتظافر الجهود ونتحلى بالوعي والمسؤولية، نكون قد تمكنا من الاستفادة من كل القدرات والجهود والمواهب، وعلم أن خيوط الحصير المتماسكة هي سر جماله، وكل واحد منا يمثل خيط من هذه الخيوط المتماسكة له لونه الخاص الذي يعطي جمالا ورونقا.

الله تعالى يتكفل بالنتائج ونحن علينا التوكل عليه والإخلاص وبذل الجهد والعمل بجد، لا يهم إن كانت النتائج قليلة، المهم أن تكون مباحة ومتقنة، إنه ليس مطلوبا منك أن تنهك نفسك في العمل حتى تكره ما تعمل بل المطلوب منك هو أن تحب ما تعمل، وإذا أحببته فسوف تتقنه، أتقنه ولو لم تكمله تفاديا للتكرار وارتكاب الأخطاء وإضاعة الوقت وبالتالي النفور من العمل، إن متعة العمل في ما تنتجه ولو كان قليلا، فتستفيد منه ويستفيد منه غيرك، هنالك تكمن متعة العمل ويكون حافزا لك للمواصلة العمل والإتقان. علينا أن نعمل ونحسن ما نعمل، لأن أوقات العمل تأخذ من حياتنا علينا أن نستمتع بها، ونغير من طريقة تفكيرنا التي لابد وأن تتسم بالإيجابية، علينا أن نعمل بجد وأن لا نحقر أنفسنا، بالعمل نحصن أنفسنا وأوطاننا نحررها من ذل التبعية والهوان، ونعيد لأمتنا سالف مجدها وعزها.