الحقيقة أننا نخشى الحرية.. ونعشق السجون!

blogs تفكير تأمل رجل، وحده

يتميز الإنسان بقدرة كبيرة على التكيف مع بيئته، فيرتبط بها ذهنياً وعاطفياً ولا يقبل بغيرها بديلاً. إنه يشعر بأن تلك القرية أو المدينة التي ولد ونشأ فيها هي العالم بأسره، ويغفل أو يتغافل جميع مدن وبلدان العالم الأخرى مهما سمع عنها وعن حجم العالم ومُدنه وتنوعه الواسع. ومصطلح "التكيف" هو مصطلح بيولوجي في الأصل يصف قدرة الكائنات الحية علي التكيف تركيبياً ووظيفياً مع البيئة بهدف البقاء، وتم استعماله في علم النفس ليصف قدرة الكائنات علي التكيف السلوكي والنفسي مع البيئة، ولكن دعونا نلقي الضوء على تكيف الإنسان الذهني والعاطفي مع البيئة.

إن هذا التكيف هو الذي يجعلنا نشعر بالراحة تجاه الأفكار التي تتشابه مع ما نشأنا عليه من أفكار، ونشعر بالرفض تجاه ما يتعارض مع نشأتنا الفكرية، والأمر أعمق من مجرد التصويت بالقبول أو الرفض، فقد نقبل الأفكار الجديدة نظرياً، ولكن من الناحية العملية نظل على ما نحن عليه. وبمعنى آخر فإن تكيفنا الذهني والعاطفي مع ما نشأنا عليه هو سجن ذهني وعاطفي مبني في عقولنا بجدران التعليم والدين والتاريخ الرسمي الذي نشأنا عليه.

 

ويدعونا إلى هذا السجن فقهاء الدين الذين عيّنوا أنفسهم أو تم تعيينهم أوصياء علينا، ويبنيه المدرسين في عقولنا وعقول ابنائنا بالمناهج التعليمية، وتبنيه الدولة في عقولنا من خلال أجهزتها الإعلامية والثقافية المختلفة، خصوصاً عندما تجد هذه الأجهزة ذات توجه واحد وخالية من أي تنوع الثقافي بل وتحارب الحرية الفكرية وكل ما يتعارض مع توجهها.

التحجر والجمود الفكري الضارب بجذوره في أعماق مجتمعاتنا وفي تراثنا الفكري لا يعني إلا أننا مسجونون أو مختطفون ذهنياً وعاطفياً، ولأننا مسجونون لن نستطيع أن نتقبل اختلاف الآخرين معنا

نعم إنه سجن ولكنه سجن مريح يجعلنا متطابقين إلى حد كبير حتي يستطيع السجّان أن يتنبأ ويتحكم بسلوكنا، وهو سجن منظم حسب النظام الرسمي المعتمد، وحتى لو لم يحقق لنا القوة والسيادة فإنه يحقق لنا الحد الأدنى من البقاء وهو أن نظل فقط قيد الحياة، وهذا مريح بالنسبة لنا لأنه يتفق مع بنيتنا الفكرية علي الرغم من أننا من حين لآخر نشكو من تخلفنا عندما يذكّرنا احد المتحدثين بمدى تقدم الغرب، وهذا أقصى ما نفعله.

المشكلة أننا في عالمنا العربي نقدس هذه السجون الذهنية ونعادي كل من يشكك في تعليمنا وديننا وتاريخنا وسياستنا، ونعتبره مصدر تهديد لأمننا واستقرارنا، وكأنه تم تعيين كلٌ منّا سجّاناً علي الآخر، ولا مجال للحديث خارج الإطار الفكري الرسمي المعتاد. إنها نقطة ضعف خطيرة لدينا، خصوصاً عندما نتكيف مع أدنى مستويات الحياة، فالفأر الذي اعتاد العيش في الجحور لا يمكنه أبداً تصوّر مدى اتساع السماء، ولن تمنحه الحياة أي أجنحة ليطير. وعلينا أن ندرك ذلك حتى لا نقع فريسة لضعفنا ولمن يريد استغلال ضعفنا أبشع استغلال.

ولكي نتخلص من تلك السجون الذهنية علينا أن نتمرّد طوال الوقت، فلا نتثبت على رأي واحد حتى لا يتحول هذا الرأي إلى سجن ذهني، ولا نبقي في وظيفة أو مكانة واحدة حتى لا نسجن فيها ونحرم أنفسنا من الترقّي. وعلينا أن نقوى على انتقاد أنفسنا بل والسخرية من أنفسنا وأن نفعل كل ما يمكننا فعله لكي نتأكد دوماً من أننا لسنا مختطفون أو مسجونون ذهنياً. علينا أن نتطلع إلى أعلى، وأن نرفع من مستوى مقاييسنا وألا نقبل إلا بمكانة عظيمة تليق بنا بين الأمم وألا نقبل إلا بحياة كريمة جديرة بأن نحياها.

إن التحجر والجمود الفكري الضارب بجذوره في أعماق مجتمعاتنا وفي تراثنا الفكري لا يعني إلا أننا مسجونون أو مختطفون ذهنياً وعاطفياً، ولأننا مسجونون لن نستطيع أن نتقبل اختلاف الآخرين معنا، ولن نكون منفتحين علي قوة التعدد والتنوع الثقافي في مجتمعاتنا، ولن نكون ابداً على تماس مع قوة الكون الهائلة بتنوعه اللانهائي. ولأننا مسجونون لن نستطيع أن نمنح الحرية للآخرين، ففاقد الشيء لا يعطيه. إن الإنسان الحر هو من يمنح الحرية للآخرين لكي يكونوا أحراراً.