تحرير المرأة يكون بتحرير المجتمع!

blogs امرأة

إن القمع والاضطهاد في مجتمعنا يتخذ شكلا هرميا، يبدأ من أعلى الهرم نزولا حتى يصل إلى القاع، فتجد كثيرا من المضطهدين والمقموعين يضطهدون من هم دونهم، حتى يقف الأمر على من هو في الحضيض فعندما لا يجد ذلك من يضطهده يلجأ إلى تخريب الممتلكات العامة أو قمع الحيوانات. هذا السلوك حتى وإن كان يبدوا بدائيا فإنه يعبر عن رفض الإنسان للقمع والاضطهاد، لأن الإنسان عندما لا يستطيع مقاومة ودفع تلك الضغوطات الممارسة عليه، أو حتى تحديده خصمه الحقيقي يلجأ إلى محاربة خصمه الوهمي، فيشفي المقموع غليله في من هو دونه وتخر طاقته، حينها ينجو القامع والمضطهد الحقيقي من العقاب، في الوقت الذي يستطيع الانسان الوعي وتحديد الهدف الحقيقي لمحاربته، فالمرأة عندما اضطهدها المجتمع لجأت إلى اضطهاد أبنائها أو نفسها، أو بنات جنسها حتى، وعندما لم يشفي ذلك غليلها لجأت إلى اضطهاد الدين والطعن فيه كما سنبين ذلك.

المرأة تولد امرأة وتبقى امرأة لا كما قالت "سيمون دو بوفوار": أنّ الأنثى لا تولد امرأة بل تصير امرأة". ولا فرق بينها وبين الرجل لأنهما قد خلقا من شيء واحد فهما كالأعضاء للإنسان لا أفضلية بينهما بل باتحادها يكون التكامل، ولا ننكر بأن المرأة في مجتمعنا بالخصوص تتجرع ويلات العذاب جراء ممارسة المجتمع الذكوري التي ثم صناعته من الطرفين معا، فطبيعة هذا المجتمع هي التي سلبت منها حقوقها التي قد أوجبها الشرع لها، فتحولت المرأة من إنسان كامل إلى مخلوق للمتعة ولاستمرار النوع.

وتولد عن ذلك نظرة دونية عن المرأة وأنها أدنى مكانة من الرجل، فإذا كان المجتمع بطبيعته يبرر تلك الممارسات لأنه يملك إرثا من الناحية الدينية التي يسوء استخدامها، خصوصا إذا كان هذا المستخدم ذكرا، فإن المرأة تجعل من ذلك الرجل خصمها الأول، وتنسى أو تتناسى؛ بأن طبيعة المجتمع هي من جعلته يفكر بتلك العقلية الذكورية، سواء كانت تلك الأفكار تلقاها جاهزة في حياته المعاشة، أو أنها قد تراكمت لديه عبر السنين من خلال تلك الحكم والقصص التي نتلقاها كل يوم.
  

نحن لا نريد النقص من قيمة المرأة العربية أكثر من تبصيرها على الطريق الصحيح لكي تتحرر، إذ يجب عليها توسيع دائرة اهتمام النساء العربيات العاملات في جميع المجلات

فالمرأة لما اضطهدت أرادت أن تنتقم لذلك، فلجأت إما لقمع أبنائها وتعنيفهم، وقد تلجأ في بعض الأحيان إلى تلقين ابنتها هذا التمييز التي عانت منه لكونها أنثى في مجتمعات وثقافات أبوية التي تميز بين الذكر والأنثى، حيث تعمل على تربية ابنتها على قبول ذلك التمييز وعلى تربية أخيها على ممارسته ضدّها. أو تلجأ إلى قمع نفسها بنفسها، سواء اختفت تحت النقاب باسم الحرية وهي جاهلة سبب ارتداء للنقاب حتى، أو تعرت باسم الحرية وهي لا تعرف للحرية معنى، ففي الحالتين وقعت في فخ اختزال نفسها الى مجرد جسد، ومن خلال هذا تكون المرأة في تلك الممارسات كارهة لابنتها ولنفسها ولكل بنات جنسها أيضا.

وإذا قمنا بتحليل هذه الظاهرة نفسيا سنجد أن أصول العداء تكمن في كره الفتاة الصغيرة لذاتها الناقصة تحت وطأة مقارنة لا واعية تقوم بها حول اختلاف بنيتها الجسدية عن بنية الذكر، ثم تسقطه (بشكل لا إرادي) على أشباهها من الإناث في الصغر (والنساء في الكبر)، رفقاً بتلك الذات واقتصاداً في شحنة المشاعر السلبية المرافقة لكره للذات الدفين في اللاوعي، حسب رأي المحلل النفسي "سيغموند فرويد" وهذا الكره تستمر آثاره على مشاعر الإناث حتى في حياتهن الراشدة.

وكما أن الأغلب من النساء يظللن حبيسات البيت في طفولتهن وهاته "الطفولة" تستقرّ مع الكثيرات حتى وإن كن راشدات وتكاد لا تفارقهن، لأنهم يتلقين تعزيزاً من المنظومة الذكورية التي تضع النساء في ذلك الموقع تسهيلاً للتحكم فيهن. وعندما لم يُشف غليل المرأة باضطهاد أبنائها ونفسها، أرادت المحاربة فوجدت أقرب جدار أمامها هو الرجل الذي يكون سببا في كثير من تلك الويلات التي تمر بها وبما أن غالب هؤلاء الرجال تكون حججهم النصوص الدينية التي لم تفهم على حقيقتها وثم إساءة استخدامها، تكون لذا المرأة مفهوم خاطئ عن الدين وأنه سبب تقييد حريتها، فتلجأ حينها الى الطعن فيه وفي نصوصه، وهذا ليس خطؤها بل خطأ المجتمع ككل سواء كان ذكرا أو أنثى أو فقيها أو حاكما.

لأن أغلب الطاعنون في الدين إنما يدخلون من تلك الثغرات التي تركها أهل العلم ولم يتكلموا فيها، وكذلك في تفسيرنا للدين ونصوص بشكل خاطئ، فيجب علينا ككل أن نبصر المرأة الى دورها، وتثقيفها. لأن عدو المرأة الحقيقي هو الجهل والتنشئة الاجتماعية الخاطئة، وصديق المرأة الحقيقي هو الوعي والمعرفة. حتى إن شعار تحرير المرأة المستخدم من قبل الحركات النسوية التي تعتبر هدفها تحرير المرأة، وهي في الغالب تضم نساء فقط، إذا لا يتعدى دورها خارج نطاقها لأنها تضع المرأة في مواجهة الرجل، بحيث أنها أخطأت في تحديد الخصم الحقيقي، حتى وإن كانت تعبر عن عاطفة وعن رغبة في التحرر وقد تضحي من أجل ذلك، لكنها في الأخير تبقى غير قادرة على تحقيق هدفها بنظرته التي لا تتعدا محيطها النسوي، إذ في الحقيقة يجب أن يشترك الرجل والمرأة في تحرير المجتمع من القمع الذي لا يفرق بين من هو ذكر أو أنثى.

بما أن التحرير الحقيقي يكمن في تحرير المجتمع فعلى المرأة أن تخوض في تلك الموضوعات التي دامت حكرا على الرجال فقط، لا أن تحتمي تحت شعارات وهمية وهي داخل دائرة قد سيجها المجتمع بتقاليدهبما أن التحرير الحقيقي يكمن في تحرير المجتمع فعلى المرأة أن تخوض في تلك الموضوعات التي دامت حكرا على الرجال فقط، لا أن تحتمي تحت شعارات وهمية وهي داخل دائرة قد سيجها المجتمع بتقاليده
 

وإذا نظرنا إلى ما أنتجته المرأة العربية سواء في المجال الفكري أو الأدبي أو غيره من المجالات سنجد أن منطلقهم واحد وهو الفكرة النسوية، فمثلا لو نظرنا إلى عدد النساء العربيات اللواتي حصلنا على جائزة نوبل سنجد اتنين فقط وهما: نادية مراد من العراق وتوكل كرمان من اليمن، في مجال السلام لا غير، حتى وإن كانت هذه الجائزة لا تعد معيارا. لكن إذا نظرنا الى نساء الغرب حتى وإن كانوا قد واجهوا مجتمعا ذكوري في البداية، بحيث أنه لم يكن للمرأة أن تسجل اختراعا ما في اسمها بل يجب عليه أن تسجله في اسمه زوجها، كما وقع مع زوجة ألبرت أينشتاين الأولى "ميلفا ماريك" التي ساعدته في نظرية النسبية إلا أنه في الآخير نكرها.

لكن عندما أتيحت لهن الفرصة عندما فك ذلك القيد سنجد بأن نساء كان هدفهم تحرير المجتمع إذ لا سبيل إلى تحرير المرأة بدون تحرير المجتمع ويتجلى ذلك في تلك الاختراعات التي كان أصحابها نساء، فرجع نفع ذلك على المجتمع كله. مثل: "kwilek stephanie "التي قامت بصناعة السترات الواقية ضد الرصاص، و "هيدي لامار" الممثلة النمساوية، لولاه لما كان هناك شيء اسمه بلوتوث أو واي فاي أو موبايل رغم أنها كانت ممثلة إلى أنها طورت نظام اتصالات اعتبرته امريكا سلاحا سريا ساعدها اثناء الحرب العالمية الثانية لكن بعد الحرب أكملت طفرة الاتصالات الحديثة كالموبايل والواي فاي والجي بي إس واتصال الأقمار الصناعية، وكذلك "ماريون دونوفان" التي اخترعت حفاظة الاطفال، ثم قامت بعد ذلك بتأسيس الشريكة الشهيرة pampers.

نحن لا نريد النقص من قيمة المرأة العربية أكثر من تبصيرها على الطريق الصحيح لكي تتحرر، إذ يجب عليها توسيع دائرة اهتمام النساء العربيات العاملات في جميع المجلات خصوصا الكاتبات منهن حيث إن معظم ما يكتبن يكون منطلق من الفكرة النسوية حيث تبقى تلك الكتابات حبيسة دائرتهن، وبما أن التحرير الحقيقي يكمن في تحرير المجتمع عليهن أن يخضن في تلك الموضوعات التي دامت حكرا على الرجال فقط، لا أن يحتمين تحت شعارات وهمية وهن داخل دائرة قد سيجها المجتمع بتقاليده.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة