"الأكيلة".. ثقافة تغذيها المطاعم.. فمن الرابح؟

blogs المزاجنجي

أثناء تصفحك لشبكات التواصل الاجتماعي تصادف إعلانات وفيديوهات للأطعمة الشهية والمثيرة، تخاطب معدتك وتثير جوعك حتى وإن كان كامنا، تفتح أحد تطبيقات الطعام لتختار ما تشتهيه فيصلك في دقائق وينتهي الأمر بالنسبة لك، لكن خلف كل ذلك صناعة وقطاع كبير تتصارع فيه الشركات والمطاعم لتتفوز بك كزبون وعميل دائم.. فكيف تبدو ملامح الصراع داخل هذا القطاع، وكيف تؤثرعلى الثقافة الغذائية للمجتمع؟

صار قطاع المطاعم في مصر واعدا بشكل غير مسبوق، كما صار مغريا للمستثمر والمستهلك سواء، فالسوق المصري حيث ملايين المستهلكين والصعود الصاروخي لـ "ترند" الأكل بين الشباب يغري المستثمرين بشدة، هذا بالإضافة إلى الفكرة الرائجة قديما بأن “أي مشروع أكل في مصر لازم ينجح". أما المستهلك فالمغريات أمامه لا حصر لها، فهو محاصر من صور الطعام الشهي، الحقيقة أحيانا والمفبركة كثيرا، وفيديوهات تحضير الطعام التي تلاحقه في المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وعروض الطعام وتطبيقاته التي تتكاثر، ويافطات الإعلانات الضخمة في الشوارع والكباري في طريق الذهاب والعودة حيث الجوع حاضرا، وإعلانات التلفزيون المتكررة حد الغثيان.

هذا من الجانب التسويقي وإنه لحاله كافيا لاقتناص المستهلك والإيقاع به في مصيدة الرأسمالية والتي تخاطب هذه المرة "بطنك وجوعك". من جانب آخر هناك تزايد في الإبداع والتنويع في المأكولات وأصنافها وطرق طهيها، وتقديم كل ما هو جديد وغريب لجذب المستهلكين عاشقي "تجربة" الأطعمة المختلفة والجديدة. وهناك عدة أمور تعزز من صعود "ترند" الأكل في مصر، أولها انتشار صفحات السوشال ميديا التي تقدم ترشيحات المطاعم، والتي بدأت فكرتها منذ حوالي 5 سنوات وذاع صيتها مؤخرا، وهناك شخصيات مشهورة تقوم بنفس الفكرة تعرف نفسها تحت تصنيف "الأكيلة"، حيث تقوم بزيارة المطاعم المختلفة وتشارك تجربتها في تلك المطاعم، وتعتمد أسلوب تشويقي في التعريف بتلك المطاعم والأماكن كما تقوم بمشاركة الصور والفيديوهات المثيرة للطعام مما يثير المستهلكين.

 

تؤكد الإحصائيات أن مصر لم تشهد زيادة في عدد المطاعم كما تشهد هذه السنوات، ففي عام 2014 تضاعف عدد المطاعم في مصر

وقد بدأت الفكرة في البداية كنوع من الرقابة على المطاعم، لكن مع بعض التجارب للكثير من المغرر بهم من قبل هذه الصفحات فإن تقييماتهم تفيد بأن جودة الطعام لا تبدو على النحو الذي تم الترويج له في منشوراتهم، مما يفيد بأن بعض أولئك المشاهير تم شرائهم ببعض الوجبات "المعدة خصيصا بجودة عالية" في مقابل الترويج للمطاعم على صفحاتهم، والمستهلك هو الضحية كالعادة، وبدى للمستثمرين أن التسويق عبر المشاهير بات لا يقل أهمية عن أي وسية إعلانية أخرى.

تطورت الفكرة إعلاميا فأصبح هناك برنامج "الأكيل" وبرنامج "مزاجنجي" والذين مهمتهم أن يأكلوا الطعام ويتذوقونه جيدا ليخبروك برأيهم الخبير بالطعام، وأصبح هناك فقرات في بعض البرامج تستضيف المطاعم مثل برنامج "صاحبة السعادة" والتي خصصت بعض حلقاتها لاستضافة المطاعم، تقوم بتذوق الطعام أمام الشاشة ثم تعقب ببعض "الريأكشنات" والانفعالات العالية والمبالغ فيها إعجابا بالطعام المقدم والتي تثير لعاب المشاهدين أمام الشاشة. وقد لحق بها عمرو أديب بتخصيص فقرة من برنامجه لنفس الغرض. وتعتبر تلك الاستضافة عملية تبادلية بين البرنامج والمطعم، فالبرنامج يستفيد من استضافة أصحاب المطاعم كفقرة إعلامية مميزة تلبي رغبات المشاهدين، وأصحاب المطاعم يستفيدون من تلك الفقرات في الترويج لمطاعمهم. وهنا نتساءل أيهم يدفع للآخر المقابل، البرنامج أم المطعم؟ أم أن الولائم التي يحضرها معهم أصحاب المطاعم كافية؟!

تطبيقات الهواتف المحمولة والمواقع فكان لها نصيبها من هذا "الترند" الذي يبدو أنه صار الرابح الأكبر، فتنوعت تطبيقات الهواتف بين تطبيقات الوجبات السريعة "الدليفري" والتي كان على رأسها تطبيق "اطلب" الذي يعمل منذ سنوات، لكن يبدو أن منافسوه في ازدياد كل يوم، فها هي شركة "أوبر" تدلو بدلوها منذ شهور، وتلحق بها العديد من الشركات التي تدخل حلبة المنافسة على "بطنك". وأهم ما يميز تلك التطبيقات هي توفير خاصية التقييم وتقديم المراجعات مما تشكل مرجعية للمستهلكين، كما تشكل تحفيزا وتهديدا للمطاعم في آن واحد للعمل على تحسين جودة أطعمتها والحفاظ عليها باستمرار خشية انخفاض التقييم والمراجعات التي تنال من سمعتها.

ما يجب وضعه نصب أعيننا هو عدم الانجراف وراء ثقافة
ما يجب وضعه نصب أعيننا هو عدم الانجراف وراء ثقافة "الأكيل" غير الصحية والتي يتم تغذيتها من الإعلان والإعلام وبرامجه الترفيهية، حيث تتضافر جهودهما لخدمة الرأسمالية
 

أما التطبيق الأفضل فكان تطبيق "مام" والذي يعمل كحلقة وصل بين ربات البيوت التي يمكنهم العمل كطاهيات من المنزل، وبين المستهلكين، والتي تقدم لهم أكل بيتي، مجهز أو مجمد وجاهز للتحضير. الأمر الذي شجع نساء كثيرات على تدشين مشروعهم الخاص حيث يوفر التطبيق ظروف عمل مناسبة تربط بينهن وبين العملاء ويقوم بتوصيل الطلبات وتقديم التقييمات. تؤكد الإحصائيات أن مصر لم تشهد زيادة في عدد المطاعم كما تشهد هذه السنوات، ففي عام 2014 تضاعف عدد المطاعم في مصر. ويصعب العثور على إحصائيات دقيقة تفيد بعدد المطاعم، إلا إن حجم الاستثمارات المباشر لشركات "الفرنشايز" في قطاع الوجبات السريعة في مصر تقدر بحوالي 60 مليار جنيه، وتقدر المبيعات السنوية بحوالي 12 مليار جنيه.

ثقافة "الأكيلة" ثقافة جديدة على المجتمع المصري، و"الأكيل" يمكن اعتبارها كلمة تجميلية لصفة "مفجوع" التي كانت تعتبر وصمة عار، لكن تم تجميلها بما يتناسب مع أهداف الرأسمالية المتوحشة، فلا بأس أن تكون مفجوعا أو حتى تموت من الفجعة أو التخمة أو السمنة طالما أنك تأكل كثيرا وتدفع أكثر لتضاعف أرباح المستثمرين. لا يمكن تجاهل أن الاستثمار في هذا القطاع يوفر الكثير من فرص العمل للشباب، حتى ولو رأى البعض بمنظور الأمهات والجدات أن تلك الوجبات يمكن إعدادها منزليا بنصف ثمنها أو أقل، فهذه ليست دعوة لمقاطعة تلك المطاعم.

لكن ما يجب وضعه نصب أعيننا هو عدم الانجراف وراء ثقافة "الأكيل" غير الصحية والتي يتم تغذيتها من الإعلان والإعلام وبرامجه الترفيهية، حيث تتضافر جهودهما لخدمة الرأسمالية، متغاضين عن الآثار غير الصحية لتلك الأطعمة، وما يتم استخدامه فيها من مكسبات طعم غير صحية على رأسها ما يعرف بـ"الملح الصيني"، بجانب الدهون المشبعة الضارة والزيوت المهدرجة، حيث عواقبها الصحية وخيمة على المدى البعيد. والتي تزيد في الوجبات رخيصة الثمن والتي يقبل عليها الفقراء الذين لا يراهم الرأسماليون المتهافتون على بطون وجيوب الأغنياء. علينا أن نجاهد أنفسنا ونكبح شهواتنا لنقف في صف ثقافة الطعام الصحي، لتصبح هي الاتجاه و"الترند" الأقوى والثقافة الراسخة لهذا الجيل. ختاما، حينما تخرج للتناول طعامك في أحد المطاعم الفاخرة وتدفع فيها الكثير والكثير، لا تنس الفقراء من القليل، واجعل لكل مرة صدقة تزكي بها نفسك وتتطهر بها.