ضحية على بعد موت من موانئ الشغف!

blogs تأمل

في كلِّ مرّةٍ أجِدنِي أحمِلُ قلمَا، بيدٍ مرتجِفة، وروحٍ تتخبَّطُ مِن فرطِ الحديثِ المتراكِمِ في داخلي، تريدُ في لحظةٍ أن تلقِيَ بكلِّ الكلامِ دفعةً واحِدة، لكنّها تصطدِمُ بمنفذٍ مسدودٍ، فلا سبيل لذلك بعدَ أن جفّ حبرُ الخاطر، ونضبَ مخزونُ الكلِمِ لترجمةِ تلكَ الغصّةِ الدفينةِ المتحجّرة. منذُ أيامٍ أحاوِلُ مصارعةَ القحطِ الذي أصابَ دَواتِي ولكنّي سرعانَ ما أُكلَّل بهزيمة، يتقاطرُ بها بعضٌ من أدمعي يأسًا على ورقتي، لأمزّقُها وأنصرِفُ في حالِ سبيلي.
 
أتُرانِي وقفتُ على شفا حفرةٍ مِن الموت، أُرخِي فجأةً بكلِّ ما تشبّثتُ بِه طويلا، بكلِّ ما علّقتُ بِهِ قليلًا مِن وجدانِي ثمّ عاهدتُ على السّيرِ بِهِ إلى نهايتِه، تلك الأحلام والأماني التي طالما أحببتُ ترتيلها مع تسابيحِ الفجر، وسِقايتَها بدموعُ رجاءاتٍ مع ابتهالاتِ السّحر، والتِي ألِفتُ شدَّ رِباطِها براحِلتِي كلَّما أرسلتُ خُطى سبيلِي فتُشعِلنِي حماسَا ثمّ إذا ما أنا زِغتُ عنهَا كانَت بوصلةً تقوِّمُ مَسارِي وتوجّهني لقِبلةِ سعيِي، تلكَ التي كانَت معنًى لأنفاسِ حياتِي، وضخّ قلبِي، وتدفّقِ دمي ها هِي ذي تصيرُ بلا معنًى عندِي.

شيءٌ ما تغيّر في كلِّ ذا، شيءٌ فِيَّ استؤصِل، فلم أعُد آبَهُ لتسرُّبِ دقائِقِ العمرِ مِن عدّادِي وأنا أبتعِدُ كلَّ يومٍ أميالًا إِضافِية إلى المجهول، فأفقِدُها وأفقِدُنِي، ببساطةٍ لقَد هجرتُ خائِبةً، منكسِرةً موانِئ الشغف. كانَت طفلَة، طفلةً بريئَةً بداخِلِي، طالما رضعَت مِن خالِصِ أملِي، طالمَا فتنت تطلّعاتِي بمسروداتِ خيالِها، طالمَا أشعلَت فِيّ حمَاسَا، طالَما دفَعتنِي خطوةً تلو الخطوةِ لأشُقّ الطريق لأحلامِي، ها هي ذِي تموتُ فِيَّ، لا أدرِي في نِهايةِ الأمرِ حقًّا من الضحيّة، أهي أنا أم هِي!

لعلَّ مِن أشدِّ الشدائِدِ التِي تصيبُ المرءَ أن يصبِحَ عدُوَّ ذاتِه، يخمِدُ فيهَا ما كان يشعل حميّتها، ويسدُّ ثغرَ كلِّ جزءٍ مِنها أرادَ أن يعترِضَ لمصيرِها الذي فرضَه عليها، يخنِقُهَا حِينًا بضغطِهَا، ويخدّرها حِينََا باستِغفالِها

يا صديق! إنّنا لا نفقدُ إن ضاعَ مِنّا شيءٌ ثمين، شخصٌ عزيز أو حلمٌ جميل، لا نفقِدُ الحياةَ بِفقدِهَا، بل نفقِدُها إن فقدنَا روحَنا معها ولو كانَ النبضُ فِينا ينبِض، نفقِدُها حينمَا نفقِدُنا، حينما نتفحّصُ القلبَ فِينا لِنجِدَ دقّاتِه خاويةً مِن الحياة، حِينها رِحِمَ اللّه أجسادَنا بقيّةَ أيّامِ موتِها. كالمتسكّعين المُجرّدين مِن كلِّ قطرةِ حياةِ نجوبُ شوارِعَ أعمارِنا. نجّرُ خلفَنا كأذيالِ خيباتٍ حقائِبَ أُفرِغَت مِن زادِ أرواحِنَا، نظلّ ندورُ في فراغِها دونَ وجهةٍ منشودة، ننتظِر بسأمٍ متى تأتِي لحظةُ النهاية، تلكِ التِي يسلِّمُ فيهَا الجسدُ الرثُّ لسطوةِ النفسِ الشاحِبةِ فيترافقان إلى هاويةِ الموت.

لعلَّ مِن أشدِّ الشدائِدِ التِي تصيبُ المرءَ أن يصبِحَ عدُوَّ ذاتِه، يخمِدُ فيهَا ما كان يشعل حميّتها، ويسدُّ ثغرَ كلِّ جزءٍ مِنها أرادَ أن يعترِضَ لمصيرِها الذي فرضَه عليها، يخنِقُهَا حِينًا بضغطِهَا، ويخدّرها حِينََا باستِغفالِها، فلا نجِدُها إلّا وقد انصاعت وخرَست وحينَها يباشِرُ الشّغَفُ أولَى شهَقاتِ الإحتِضارِ فينا فنحتَضِرُ به.

"الشّغف هو الإثارة التي يحدِثُها ما هو غير متوقّع، هو الرّغبةُ في التصرّف بورع، واليقينُ أنّنا سننجح في تحقيق الحلم الذي طالما راودنا، يرسِلُ الشغف إلينا إشارات لنهتدي بها في حياتِنا ويجِب أن نعرِف كيف نفكّ رموز هذه الإشارات"

– باولو كويلهو

 

حِسٌّ فِطرِيٌّ نقِي، يولَدُ معنا من بذورِ أمانٍ بسيطةٍ نثرنَاها على شغاف القلب ثمّ يكبُر بها، يفجِّر في نظراتِنا بريقَ آمالٍ ويوسّعها لتحتوِيَ نورًا أكثَر، يولّد في دواخِلِنَا طاقةً أكبر فيوجِّهُ ناصِيةَ تطلّعاتِنَا ويدفعُ بِنَا إليها، ثمّ إذَا ما سقطنَا، كانَ مَن ينفضُ عنَّا شعثَ العثراتِ، ويكفكِفُ المتسلِّل من العبراتِ لِنَثِبَ ونواصِل.

إنّ كثيرًا مِمّا يحِيطُ بِنَا يستنزِفُ الشّغفَ فينَا إلى أن يخمِدَه إلى آخِر شعلة، فحياتُنا الرّوتينية المضجِرة والتي ننقادُ إليهَا في معابِرِ أيّامِنا كفيلةٌ بأن تجعلَنا ننصرِفُ قليلا قليلا عنه، لنتحوّل إلى مجرّدِ آلةٍ خاويةٍ تعمَلُ مِن أجلِ مادّةٍ تستوجِبُها ضرورةُ العيشِ السّعِر، وبتعايشِنَا مع مجتمعٍ لا يصرِّحُ بأولويةِ الرّوحِ في الحياة، نجدُه يفتّتُ فينَا كلّ إحساسٍ بالحماس، ويدارِيهِ عن ناظِرينَا باستحقارِ أمانِينا لننساقَ لأبجديّاتِ المادّةِ في العيشِ مُرغَمين، مفرَغين مِن قوتِنا الرّوحيّ، حتّى الأعمالُ التِي نقومُ بِها بروتينيّةٍ مملّة ستكونُ مِن بابِ وجوبِها للاستمرارية الماديّة لا غير.

 قاتِل بشغفِك يا صديق إلى آخِر نَفَسٍ منك، إلى أوّل وآخِرِ حلُمٍ لك، إلى حياةٍ كنتَ فيهَا فتكونُ بثباتِكَ على ناصِيتِها لك، قاتِل ففي قِتالِك ذاك شغف وبقِتالِك ذاك ستصِلُ بشغف وتكونُ مِمّن حُقَّ لَهُم دونَ غيرِهِم التقلُّدُ بِتاجِ العزمِ والعزيمة
 قاتِل بشغفِك يا صديق إلى آخِر نَفَسٍ منك، إلى أوّل وآخِرِ حلُمٍ لك، إلى حياةٍ كنتَ فيهَا فتكونُ بثباتِكَ على ناصِيتِها لك، قاتِل ففي قِتالِك ذاك شغف وبقِتالِك ذاك ستصِلُ بشغف وتكونُ مِمّن حُقَّ لَهُم دونَ غيرِهِم التقلُّدُ بِتاجِ العزمِ والعزيمة
 

يا صديق! إنّ حياتَنا الحقّة تبدأ بهدف وتُتَوّج ببلوغِ ذلِك الهدف، وتُشحَن في طريقِ الوصُولِ إليهِ بالشّغف، فكيفَ نُوجِدُ فِينا الشّغف إن كنّا نسيرُ دون هدف! لعلّ أكثر ما يحمِلُنا على الاستسلام لمراسِم دفنِ الشغفِ المُقامةِ حولَنا لهي عدمُ وجُودِ مرساةٍ نحطّ عليهَا فتُوثِّقُ لنا خطانَا إلى ما نريد، وتثبّتُنا إذا ما هزّنا عصفٌ حياتِيٌّ في طريقِنا إليه ،نفقِدُ الشّغف حينَما نفقِدُ أهدافَنا صغيرةً كانت أم كبيرة، حينما نُفلِتُ قبضَ تعلُّقِنا الرّوحِيّ فيها، ثمَّ نتجرّد مِن إيمانِنا بِها، فيتسَلّل الضجَرُ ذاتَ غفلةِ مِنّا إلى قلوبِنا ليغرِزَ فيها أوّل راياتِ انتصاره، وبتداول إفلاتِنا لطموحاتِنا الواحد تلو الآخر، يتلقّفُنا الموتُ لينتشِرَ إلى سائِر الكيانِ فنُذعِن له ونموت في منتصفاتِ معابِرِ أعمارِنَا الباهِتة.

 

"ليس هناكَ من يختارك للنّجاح بل أنت الذي تختارُ نفسك للنجاح"

– سحر هاشمي

فكمَا أنّ أوعَرَ الدّاءَ مِن ماهيةِ نفوسِنَا فكذلِك الترياقُ نستخلِصُه منها، لن ننتظِرَ حتمًا أن يتغيّر نمطُ حياتِنا، أو يدًا تنتشِلُنا مِن سكَراتِنا لنعودَ إِلينا، وحدنا من يستطيع تفجيرَ سيلِ الشّغفِ في شرايينِنا مِن جديد، بتمسّكِنَا بأهدافِنا، إشرابِها يقينًا وثِقةً، ثمَّ جسارةِ مواجهةِ لكلِّ مَطبّةِ فشلٍ تعترِضنا. نستطيعُ مجاراةَ الألم والنهوضَ مِن جديد، فنولِّد الشغَفَ فينَا مِن رحِمِ الرّكودِ لتعودَ إلى كينوناتِنا نضارتُها، حياتُها وجماليّاتُها، ربّما سيكون المخاض عسيرَا ويتطلّبُ مِنَا محاولاتٍ كثيرة ولكنّنا بإذنِ المولى حتمًا سنُقلِّدُهُ انتصارا، ولَعَمري إنّ فوزَ الإنسِيِّ بنفسِهِ لهي مِن أبهرِ النجاحات وأنجعِها. قاتِل بشغفِك يا صديق إلى آخِر نَفَسٍ منك، إلى أوّل وآخِرِ حلُمٍ لك، إلى حياةٍ كنتَ فيهَا فتكونُ بثباتِكَ على ناصِيتِها لك، قاتِل ففي قِتالِك ذاك شغف وبقِتالِك ذاك ستصِلُ بشغف وتكونُ مِمّن حُقَّ لَهُم دونَ غيرِهِم التقلُّدُ بِتاجِ العزمِ والعزيمة.