الثورة يا صديقي تقود للحرب

blogs ثورة

نعم هي كما قرأت، الثورة تقود إلى الحرب وهذا ما ذكرته لك باختصار في تدوينتي السابقة حينما ربطت بين الثورة الإيرانية وحرب الخليج الأولى أو ما عُرف في العراق حينها بقادسية صدام أو الدفاع المقدس في إيران. في تعريف "الثورة" قيل الكثير لكن أبسطها كان: "تغير مكان السيادة أو السلطة"، وفي التفصيل أعطى تشالمرز جونسون ست أشكال مختلفة من الثورة منها على سبيل المثال التمرد الجماهيري المسلح والانقلاب التوافقي الذي تتفق فيه مجموعة من الطبقة الحاكمة على القيام بثورة داخلية دون تدخل من الشعب. إلا أن الكل بالنهاية أجمع أن "الثورة الكاملة" ينبغي أن تقوم بتغيير نظام الحكم الذي ثار عليه الناس جذرياً، وإلا فإنها لا تعتبر ثورة وفي تلك الحالة يمكن تسميتها بأسماء مختلفة أخرى قد تأخذ في بعض الأحيان الطابع الثوري أو الروح الثورية لكنها لا تكتمل لعدم تحقق الهدف وهو النجاح في إسقاط النظام الحاكم واستبداله بأخر.

وهنا أسرد لك بعض أسباب قيام الحرب، سواء كان بادئ الحرب هو الدولة الثورية الجديدة كما حدث في حالة الثورة الفرنسية، أو من طرف أخر معادٍ للثورة وغير راضٍ عن نتائجها كما حدث في حالة الثورة الإيرانية. يرتكز العرض هنا على تأثير الثورات على العلاقات الدولية التي تسبب الحرب، وليس على التأثير المحلي للثورات أو ما قد ينتج عنها داخلياً.

من بين تلك الأسباب الانتهازية، حيث يستغل الطرف الأقوى حالة التخبط لدى الدولة الثورية لكسب مصالح أكبر أو السيطرة على أرض جديدة. يقول ستيفن م والت في كتابه الثورة والحرب: إنه في حالة الثورة الفرنسية تسبب انهيار نظام لويس السادس عشر في اندلاع منافسة حادة بين كلا من النمسا وكولونيا وروسيا للصعود وملأ الفراغ الذي أحدثه انهيار النظام الفرنسي القديم.

قد لا يحدث هذا التغير في السياسة الخارجية، إلا أن كلا من الدولة الثورية والأنظمة الأخرى توقع العدائية والكراهية من الطرف الأخر، هذه العدائية نابعة في الأساس من أيدلوجية تلك الأنظمة ومدارسها الفكرية

إحساس اللاأمن، الناتج عن توقع هجوم الأخر نتيجة غياب التواصل الدبلوماسي عقب تغيير النظام، وبالعودة لتاريخ الثورة الفرنسية نجد أن النمسا كانت في مقدمة أعداء الثورة لعدة أسباب أبرزها الخشية من مصير مشابه لمصير لويس السادس عشر، حيث تشابه نظام الحكم الملكي، إضافة إلى أن لويس السادس عشر ملك فرنسا كان متزوجاً من ماريا انطوانيت أخت حاكم النمسا. حتى أن النظام الملكي في النمسا وبروسيا في بداية الأمر حذر الثوار الفرنسيين من إيذاء الملك لويس السادس عشر وطالب بإعادة السلطة المطلقة للملك، كما هدد بالتدخل العسكري في حال عدم استجابة الثوار لتلك الأوامر.

توقع عدائية النظام الجديد ورغبته في السيطرة يدفع دول الجوار والأعداء لبداية الحرب أو التصادم. في المقابل توقع الدولة الثورية عدائية دول أخرى يدفعها للتسلح سواء بغرض الدفاع والحماية من هجوم محتمل، أو للبدء بالهجوم باستخدام استراتيجية دفاع قائمة على المباغتة وعدم انتظار الطرف الأخر لبدء الهجوم. الأمر الخطير في تلك المعادلة أن الحسابات في معظم الأحيان تكون خاطئة وقائمة على معلومات مزيفة.

سياسة خارجية جديدة تجاه دول الجوار والقوى الاقليمية تلك السياسة الخارجية قد تصنع صراعات حادة مع دول أخرى. وفي حالة أخرى قد لا يحدث هذا التغير في السياسة الخارجية، إلا أن كلا من الدولة الثورية والأنظمة الأخرى توقع العدائية والكراهية من الطرف الأخر، هذه العدائية نابعة في الأساس من أيدلوجية تلك الأنظمة ومدارسها الفكرية التي هي قائمة بالأساس على التنافسية في معظمها.

الاعتقاد المبالغ فيه باحتمالية انتقال عدوى الثورة للأنظمة الحاكمة في الدول المجاورة، فيكون الهجوم هو الوسيلة الأفضل للدفاع. قرار الحرب في معظم الحالات الثورية كان نتاج مزيج من الإحساس بالخوف والثقة الزائدة، الخوف من أن تقوم تلك الحكومة الثورية بدعم حركات ثورية أخرى خارج حدودها، والثقة الزائدة عند أصحاب الثورة في عدالة فكرتهم وأنها كفيلة أن تصل لباقي الدول المجاورة وتحقق نفس النتائج عند من يحسبونه عدوا لهم، كوسيلة للحفاظ على وجودهم وتحكمهم في السلطة، وهذا ما يعجل من قرار الأعداء في التخلص من النظام الثوري بمجهود أقل.

حالة الضبابية والمعلومات الخاطئة عن الطرفين تزيد الأمور تعقيداً وتجعل في الحل السلمي أمراً صعب المنال. وهنا لا يمكن إغفال دور الفارين من الثورة خارج البلاد وفلول النظام القديم، حيث يمكنهم تشكيل لوبي ضغط لنشر الأكاذيب والشائعات وتشويه صورة النظام الثوري الجديد وبالتالي تشجيع القوى الإقليمية والدولية على مواجهة هذا النظام الذي قد يمثل خطراً على مصالحهم.

كان أول من كتب عن تلك العلاقة (الثورة والحرب) وأسس لها قاعدةً نظريةً جديدة، ستيفن م والت، أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة جون كنيدي - جامعة هارفرد
كان أول من كتب عن تلك العلاقة (الثورة والحرب) وأسس لها قاعدةً نظريةً جديدة، ستيفن م والت، أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة جون كنيدي – جامعة هارفرد
 

حتى أن الرغبة في الحفاظ على المناصب الجديدة والنظام الثوري الجديد قد تتطلب صناعة عدو خارجي وإن كان وهمياً لإقناع الشعب أن دولته تحت خطر خارجي يجب مواجهته، وذلك بهدف التغطية على الأزمات الداخلية والحصول على تضحيات هائلة من الجمهور المتعاطف مع الثورة. أي أن السياسة الداخلية للنظام الثوري قد تؤدي أيضا لتلك الصراعات الدولية، حين يتجه النظام الثوري لاستمالة الدعم الشعبي له من خلال إعلان عداوته لجهة خارجية معينة يكرهها الشعب، مثل عداء الثورة الإيرانية للولايات المتحدة الأمريكية ووصفها بالشيطان الأكبر للحفاظ على الزخم والدعم الشعبي.

كان أول من كتب عن تلك العلاقة (الثورة والحرب) وأسس لها قاعدةً نظريةً جديدة، ستيفن م والت، أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة جون كنيدي – جامعة هارفرد، حيث ذكر في كتابه الصادر عام 1996 من دار نشر جامعة كورنيل الأمريكية عدداً من الدول التي شهدت ثورات كاملة حقيقية أدت إلى تغيير جذري في نظام الحكم وتبعها حرب.

 

كان أبرز تلك الحالات وأوضحها الثورة الفرنسية والروسية والإيرانية، إضافة إلى حالات أخرى مثل الثورة الصينية والتركية والمكسيكية والأمريكية وكلها تنطبق عليها نظريته الجديدة "توازن التهديدات" التي أحدثك عنها الأسبوع القادم بمشيئة الله. لكنه ذكر أيضا على سبيل المثال كيف تم تفادي الحرب في حالة الثورة المكسيكية لأسباب منطقية، لكن الحرب كانت واقعة لا محالة نتيجة تغير نظام الحكم واكتمال الثورة.