تطور القيم الديمقراطية من أثينا إلى العصور الوسطى

مصطلح الديمقراطية بشكله الإغريقي -اليوناني القديم- تم نحته في أثينا القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد، والديمقراطية الأثينية عموماً يُنظر إليها على أنها من أولى الأمثلة التي تنطبق عليها المفاهيم المعاصرة للحكم الديمقراطي. كان نصف أو ربع سكان أثينا الذكور فقط لهم حق التصويت، ولكن هذا الحاجز لم يكن حاجزاً قومياً ولا علاقة له بالمكانة الاقتصادية فبغض النظر عن درجة فقرهم كان كل مواطني أثنيا أحرارا في التصويت والتحدث في الجمعية العمومية. وكان مواطنو أثينا القديمة يتخذون قراراتهم مباشرة بدلاً من التصويت على اختيار نواب ينوبون عنهم في اتخاذها.

  

ونجد أن هذا الشكل من الحكم الديمقراطي الذي كان معمولاً به في أثينا القديمة يسمى بالديمقراطية المباشرة أو الديمقراطية النقية. وبمرور الزمن تغير معنى "الديمقراطية" وارتقى تعريفها الحديث كثيراً منذ القرن الثامن عشر مع ظهور الأنظمة "الديمقراطية" المتعاقبة في العديد من دول العالم.

 

قامت الديمقراطيّات القديمة بالنمو في عددٍ من المدن الصغيرة ذات الديانات المحليّة، ولهذا فإن قيام الدول الكبرى والإمبراطوريّات في معظم البلدان في العصور الوسطى قد ضمّت الديمقراطيّات الأولى

وإذا ما سألت غربيًا عن مصدر الديمقراطية، فهو حتمًا سيجيبك عن السؤال بكلمة «أثينا»، فهي النموذج أو حتى الحلم الديمقراطي الذي يتمناه كثيرون في يومنا هذا بوصفه نظاما للحكم في العالم، فالمثال «الأثيني» هو الأساس الذي بُني عليه هذا النظام، ولعل الفيلسوف السياسي أرسطو (أرسطاطاليس) استطرد كثيرًا في كتابه «حول السياسة» لشرح الديمقراطية الأثينية ما لها وما عليها.

 

وعلى الرغم من قدم هذه التجربة التي ترجع إلى ما يقرب من 25 قرنًا من الزمان، فإنها لا تزال مثالاً فكريًا يعجب به كثيرون بوصفه أفضل النظم الديمقراطية من حيث التمثيل المباشر للشعب، أو لأنها قد حكمت أثينا وغيرها من الدويلات اليونانية بشكل سلس، ولكن الثابت أن هذه التجربة الديمقراطية العميقة انتهت إلى نظام ديكتاتوري عقب مأساة الهزيمة العسكرية.

 

الثابت تاريخيًا أن القبائل اليونانية قد هاجرت من الشمال إلى الموانئ الدافئة لشبه جزيرة المُورة، واستقرت في هذه الأراضي الخصبة وبدأت تكون ما يسمى «الدويلة» أو «المدينة الدولة City State» التي تمثل توصيفًا واقعيًا لشكل المجتمعات اليونانية في ذلك الوقت. ولقد برزت أثينا بصفتها دويلة ضمن الدويلات الأخرى في موقع جيواستراتيجي بارز، وتمتلك كثيرا من الثروات الطبيعية مقارنة بغيرها، كما أنها ملكت كثيرا من الأراضي الخصبة، وهو ما سمح لهذه الدويلة أكثر من غيرها بتكوين نظام اقتصادي متوازن بين التجارة والصناعة والزراعة، مما أثر مباشرة على شكل المجتمع ذاته وخلق الطبقات الطبيعية فيه.

 

معظم الديمقراطيّات القديمة نمت في مُدنٍ صغيرة ذات ديانات محليّة أو ما يسمَّى بالمدينة-الدولة. وهكذا فإِنّ قيام الإِمبراطوريات والدول الكبرى مثل الإِمبراطورية الفارسيّة والإِمبراطورية الرومانيّة والإِمبراطورية الصينية والإِمبراطورية الإِسلامية والإِمبراطورية المغولية في العصور الوسطى وفي معظم البلاد التي كانت تضم الديمقراطيات الأولى قد قضى علَى هذه الدويلات الديمقراطية بل علَى فُرص قيامها أيضاً. لكن هذا لا يعني أن تطَوّرا باتجاهِ الديمقراطية لم يحصل في العصور الوسطى، ولكن معظم هذا التطوّر حصل علَى مستوَى القِيَم وحقوق الأفراد. وقد ساهم ظهور الدياناتُ الكبرَى كالإسلام والمسيحية في تَوطيد قِيَمٍ وثقافاتٍ ساعدت علَى ازدهار الديمقراطية فيما بعد. ومن هذه القيم:

 

– فكرة شرعيّة الدَولة.

– فكرَة المساواة الكاملة بَين القبائِل والأعراق بشكلٍ عام.

– فكرَة المساواة ولو جُزئيّةً بين الأفراد ولاسيّما بَين الجنسَين وبين الأسياد والعبيد.

– أفكار عن المسؤوليّة والمسَاءَلة والتعاون والشورَى.

– فكرة سيادة القانون (و الشرع) والتساوي أمام القانون.

– الدفاع عن حقوقٍ عديدة مثل افتراض البراءة وتحريم العقاب الجماعي وحرية التنقل وحقوق الملكية وحق العمل.

– الأمر بالتعامل بالحسنَى والرفق والرحمَة وغيرها من مكارم الأخلاق الّتي لا بد منها لبناء دَولةٍ قائِمةٍ علَى الشرعيّة لا علَى العنف.

  

قامت الديمقراطيّات القديمة بالنمو في عددٍ من المدن الصغيرة ذات الديانات المحليّة، ولهذا فإن قيام الدول الكبرى والإمبراطوريّات في معظم البلدان في العصور الوسطى قد ضمّت الديمقراطيّات الأولى، وهذا الأمر عمل على القضاء على الدويلات الديمقراطيّة وفرص قيامها. في المقابل سجلت في فترة العصور الوسطى نوعاً من التطور في مجال الديمقراطيّة، لكنه كان تطوّراً على مستوى حقوق الأفراد والقيم الناتجة عن قيم الليبراليّة، التي ظهرت مع فلاسفة التنوير أمثال جون لوك، وتوماس هوبز، وإيمانويل كانت، قبل حدوث أي تقدمٍ ملموس في مجال الديمقراطيّة. ومن هنا ازدهرت الديمقراطيّة الليبراليّة في الغرب. كان للديانات الكبرى كالمسيحيّة والإسلاميّة إسهامٌ كبير في توطيد عددٍ من الثقافات والقيم، الأمر الذي أدّى إلى ازدهار الديمقراطيّة لاحقاً.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة