أبو العلاء المعري.. الشاعر الذي حبس نفسه في سجون القلق والعزلة

لم أكن أعرف عن أبي العلاء المعرّي سوى أنّه فحلٌ من فحولِ شعراء العصر العباسي الثانية وأنه لُقِّبَ بالمعري نسبة لمعرة النعمان مسقط رأسه وأنّه متألقٌ في شعره بين شعراء عصره أبجديةً وشمسا، عدا أنّي كنت أحفظ له قليل من الأبيات، لكن بعد دراستي له وجدت في طيات ذاك التألق الشعري خبايا كثيرة خبايا جسدية ونفسية وأدبية..

فنجد أن أبا العلاء المعري قد أُصيبَ بمرضِ الجدري في صغره، وقد اُبتُلي بيتمِ الأبِ وهو في الرابعة عشرة من عمره فما كان من حزنه على أبيه إلا أنه فقد بصر أحد العينين لتتداركها فيما بعد عينه الأخرى، وتلت الراحلين أمّه بعد سنتين من رحيل أبيه، فقد رثاها بقصيدة تفيض لوعةً وحزنًا، يقول فيها: "لا باركَ اللهُ في الدنيا إذا انقطعتْ أسبابُ دنياكِ من أسبابِ دنيانا".

أرى أنّه بعزلته وقلقه وخوفه قد جار على نفسه فوق جور الحياة فألزم نفسه قيودًا لا يحتملها إنسانٌ طبيعي فحكم على نفسه أن يبقى في سجونه الأربعة: العمى والبيت والجسد واللزوميات

فبعد ذلك لزم داره معتزلًا الناس مطلقاً على نفسه بـ "رهين المحبسين" إلا أنّه اُخترقت هذه العزلة طلابه من أهل العلم فلم يسلّم كاهله لسلسلة العواصف المُوهنة لم يعيقه فقدان والديه عن طلب العلم ولا عماه أيضًا، فَحمِل آلامه ومضى وأبحر في العلم فرهن نفسَه وحياتَه لطلبِ العلمِ وتعليمه وطموحه نحو النبوغ، فأبوه كان تاركا خلفه ابنًا دارسًا لفنون اللغة والأدب والحديث، قارئا القرآن على جماعة من الشيوخ متلقٍّ علوم النحو واللغة على يد جماعة من اللغويين والنحاة ورحالة لطلب العلم إلى حلب ومن حلب إلى أنطاكية، مما جعله أن يبدل وهنه قوة مُخرجً لنا من سلسلة العواصف سلسلة أعمال شعرية كسقط الزند واللزوميات وأعمال نثرية كرسالة الغفران الشهيرة ومسند أحمد وغيرها من الكتب..

لكن عندما غُصنا في بحورِ أعماله الأدبية وجدنا أن أثر تلك الابتلاءات على أدبه الزاخر وعلى حياته وعلى نفسيته، ففقدان الركنين الأساسيين في حياته أمه وأبيه كفيلة بأن تؤثر به وعليه كأي إنسان ولو بلغ من قوته ما بلغ عدا عن فقدان بصره، فنبدأ باعتزاله الناس أكثر من أربعين سنة إلا أن أهل العلم لم يتركوه للعزلة ألحّوا عليه وطلبوا شرب العلم من منهله فالتزموا داره آمّين له طالبين علمه وأدبه فقد كانوا عارفين لقدره ومنزلته معترفين بفضله ومكانته ولم يقتصر بعزلته فقط عن الناس والمجتمع وإنما أرادها في الآخرة فتمنى ألا يشهد الحشر في الناس، فيقول:

فيا ليتني لا أشهدُ الحشرَ فيهم 
إذا بعثوا شعثًا رؤوسهم غبرَا 

حتى أنه طلب أن يدفن بموضع لم يحفر فيه قبرٌ لأحد وكأنه يريد أن يرفع فوق قبره راية من الريح ونعرّج على اعتزاله النوعي الذي ألزم نفسه بالحرمان الطوعي، فيقول طه حسين: "لم يدع لنفسه شهوة إلا أذلها ولا عاطفة إلا أخضعها لسلطان العقل".

 

نجده في وصفه ارتكز على الأوصاف المعنوية كالحزن والألم والسخط القلق من الحياة والإنسان والنسل والمرأة، وكأنّ مر حكاياته جعلت الخوف والقلق دارجًا على لسانه فسطّر قسوة الحياة وقلقه من خلال حرفه وكلماته، ربما لم يملك عينين ليبكي ابتلاءاته ربما تحجرت آلامه في الأحداق فأخذ يبكيهما في شعره، فلو بحثنا في قاموس الوحدة والعزلة لوجدناه أَلِف كل مفرداتها وتحدّث عنها، فلم يتزوج وطلب من الشباب ألّا يتزوجوا وإن تزوجوا أن يتزوجوا المرأة العقيم وعد النسل ذنبًا لا يغتفر وكان يرى موت البنت خيرا لها من زواجها، وهو يسيء الظن بالمرأة فهي في نظره مصدر كل الشرور عدا أنه سَخطَ على الدنيا وهي في نظره أفرغت الشر على كل ما فيها سواء أكان إنسانا أم حيوان فيقول:

قد فاضت الدنيا بأدناسها 
على براياها وأجناسها 
وكل حي بها ظالم 
وما بها أظلم من ناسها 

ألا أننا نتفق معه في نظرته ومهاجمته للنساك المنافقين الذين يتخذون الدين سترا لنفاقهم فيقول:

توهّمت يا مغرور أنّك ديِّنٌ
عليّ يمينُ الله ما لك دينُ
تسيرُ إلى البيتِ الحرام تنسكًا 
ويشكوك جارٌ بائسٌ وفقيرُ 

أرى أنّه بعزلته وقلقه وخوفه قد جار على نفسه فوق جور الحياة علّه ينسى جور الحياة ويثأر منها لكن دون جدوى، فألزم نفسه قيودًا لا يحتملها إنسانٌ طبيعي فحكم على نفسه أن يبقى في سجونه الأربعة: العمى والبيت والجسد واللزوميات، فسجن الجسد سجن خيالي فلسفي وهو الجسم الذي كره النفس التي تستقر فيه ولا تتجاوز حدوده إلا حين يقضي عليها الموت، ففي شعره كان رهين حبس "اللزوميات" ولزم مالم يلزم، فقد قال في مقدمة اللزونيات: "قد تكلّفت في هذا الكتاب ثلاث كلف: الأولى أنه ينتظم على حروف المعجم، والثانية أن يجيء رويه بالحركات الثلاثة وبالسكون بعد ذلك، والثالثة أنّه لزم مع كل روي فيه شيء لا يلزم من ياء أو تاء أو غير ذلك من الحروف.

فكانت آلامه سلاحًا ذا حدين فإننا نجمع على أنّه أبدع فنًا جديدا أثبت في قدرته على التحدي والقوة والمواجهة عدا أن عزلته كانت مثمرة ومنتجة، فقد ترك لنا تاريخًا عظيمًا من الشعر والأدب والفلسفة، ضل معين لا ينضب للدارسين والباحثين فقد كان يمتلك حافظة ففجّر مواهب عبقريته في ما خلّف من روائع الشعر والنثر خلال عزلته واغترابه عدا أننا نجد الحكمة في طيات ما كتبه فيقول:

تعبٌ كلها الحياة فما أع
جب إلا من راغبٍ في ازديادِ 
إنّ حزنا في ساعة الموت أضعاف
سرورٍ في ساعة الميلادِ
خُلقَ الناسُ للبقاء فضلّت 
أمةٌ يحسبونهم للنّفادِ
إنما ينقلون من دار أعمال
إلى دار شقوةٍ أو رشادِ
ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يستريح 
الجسم فيها والعيش مثلُ السهادِ



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة