البشير.. على خطى أقرانه العرب

blogs السودان
بعد أشهر قليلة يُتمّ الفريق عمر حسن البشير ثلاثين عاماً على رأس الحكم في السودان. ثلاثة عقود مرّت على انقلاب عسكري كان البشير واجهته باعتباره ضابطاً في الجيش السوداني، قبل أن ينقلب على المخطط والمنفّذ والعقل المدبر للانقلاب الراحل الدكتور حسن الترابي ويزجّ به في السجن.

بعد ثلاثين عاماً، أثبت البشير أنه لا يختلف كثيراً عن زعماء عرب آخرين أطاحت بهم ثورات شعوبهم ومنهم من ينتظر. فبعيداً عن المشروع الإسلامي الذي حمل البشير لواءه بعد وصوله للسلطة، سار البشير على خطى أقرانه من حكام العرب، ومن يستمع لخطاباته هذه الأيام، يلمس التشابه مع خطابات حسني مبارك وزين العابدين بن علي في أيامهما الأخيرة.

 
نحن هنا لا نتحدث عن تهم جرائم الحرب الموجّهة للبشير من محكمة الجنايات الدولية بسبب مجازر ارتكبها جيشه في إقليم دارفور، ولا نتحدث عن تحويل البشير للجيش السوداني إلى أشبه بميليشيا مرتزقة تشارك في خطوط المواجهة المتقدمة في اليمن بالنيابة عن السعودية والإمارات، يقبض ثمن هذه المشاركة ملاييناً ومنحاً وودائع بنكية وغضّ نظر عن استمراره في الحكم، ولا نتحدث أيضاً عن استخدام بعض العرب للبشير كمرسال لتوجيه رسائل إيجابية للنظام السوري، وليكون أول من يكسر عزلة رئيس النظام بشار الأسد رغم المجازر التي ارتكبها طوال سبع سنوات مضت بحق شعبه.
 
يجب أن يدرك البشير بأن السودانيين اختنقوا من وجوده على صدورهم طيلة ثلاثين عاماً، وأنه قد تأخر كثيراً في مغادرة الحكم، وأنه لا مكان لمكابرته وهربه إلى الأمام

كل ما سبق سنتجاوز عنه ونغضّ الطرف عنه، ما نتحدث عنه هو أن رجلاً وصل إلى السلطة قبل ثلاثين عاماً، وما زال حتى يومنا لم يملّ منها وما زال متشبثاً بها ويرفض التنازل عنها، ولو أدى ذلك لإراقة دماء السودانيين وخراب السودان. لا مجال ولا مكان ولا منطق لتبرير استمرار البشير في منصبه، ولا يفيد في ذلك الادعاء بأنه بعد عشرين سنة من انقلابه العسكري انتُخب في عملية نزيهة وديمقراطية، فالذريعة نفسها استخدمها معظم طغاة العرب لتبرير بقائهم على الكرسي، آخرهم عبد الفتاح السيسي بمصر وبشار الأسد بسوريا. 

ولا يفيد أيضاً الاستناد إلى صفات التواضع والبساطة التي يُبديها البشير في أدائه وحركته، فلا تواضع ولا بساطة فيمن يتشبث بالسلطة بعد ثلاثين عاماً من وصوله إليها. ولا يفيد أيضاً الشعارات الإسلامية التي يرددها البشير في خطاباته ويلوّح بها إلى جانب عصاه، يحاول من خلالها دغدغة عواطف السودانيين الطيبين، فالمشروع الإسلامي يقوم على التعددية وتداول السلطة وليس على احتكارها. ولا يفيد أن البشير عقيم لا ينجب الأولاد وبالتالي لن يورّث الحكم، فمن يجثم على رأس السلطة ثلاثة عقود لا يسأل (بضم الياء وفتحها) عن توريث.

كل هذا لا يفيد، المفيد هو أن يدرك البشير بأن السودانيين اختنقوا من وجوده على صدورهم طيلة ثلاثين عاماً، وأنه قد تأخر كثيراً في مغادرة الحكم، وأنه لا مكان لمكابرته وهربه إلى الأمام باتهام قوى سياسية معارضة وجهاز الموساد الإسرائيلي باستغلال الحراك الشعبي الذي يشهده السودان. ما يفيد هو أن يدرك البشير أنه تأخر كثيراً في الانتقال من المقر الرئاسي إلى منزله بجانب زوجتيه متقاعداً، يداعب بيمينه حبات سبحته، وبيسراه عصاه يطقطق بها على الأرض، وأن يفسح الطريق أمام الشعب السوداني ليختار من يريد، بعيداً عنه.