والاس بدج.. سارق "كتاب الموتى"!

والاس بدج (1857-1935) واحد من أبرز ناهبي آثار مصر، ومن أشدهم جشعا خلال القرن التاسع عشر، بدأ حياته الوظيفية بالمتحف البريطاني؛ حيث تولى وظيفة مساعد أمين جناح الآثار المصرية، وأرسله المتحف في مهمة رسمية إلى مصر من أجل جلب قطع الآثار الثمينة، فنجح في ذلك نجاحا باهرا، كما نجح أيضا في نهب آثار العراق والسودان!

 

كان لـ"بدج" الكثير من الاكتشافات الأثرية، لكنه كان يستخدم في تلك الاكتشافات وسائل فجة وغير مستساغة، مما أغضب "ماسبيرو" وبعض موظفي الحكومتين الإنجليزية والفرنسية بمصر الذين استاءوا من أفعاله، ولكن بدج لم يعبأ بذلك كله بدعوى ولائه للمتحف البريطاني والسعي لتحقيق أهدافه.

 

جاء إلى مصر أول مرة عام 1886 في رحلة كان هدفها وواضح وبيّن؛ وكان في مجيئه مستعدا من خلال اكتسابه لمعارف كثيرة عن الآثار المصرية، وعن أسعارها التجارية، وكان يحمل معه مبلغا من المال قدره "خمسون جنيها استرلينيا"؛ وفي مصر استقبله "اللورد كرومر" بفتور ملحوظ لأنه لم يكن راضيا عن أساليب الإنجليز في التعامل مع الآثار المصرية وجمعها، لكن هذا الفتور لم يؤثر على بدج الذي صمم على تحقيق هدفه الذي جاء من أجله ولو من خلال مهربي الآثار!

 

كان من أهم الآثار التي عثر عليها بدج في مصر؛ بردية "آني" المعروفة بـ"كتاب الموتى" حيث عثر عليها بإحدى مقابر البر الغربي بالأقصر، وهي بردية يبلغ طولها 23.6 متر، وعرضها 39 سم

فسعى من أجل إلى ذلك إلى إنشاء شبكة علاقات وطيدة مع الأهالي في كل من الأقصر والقاهرة؛ ففُتحت له المقابر التي كان قد سُرق معظمها من قبل، ثم اتجه إلى أسوان لإكمال مهمته ولحق به مجموعة من كبار العسكريين البريطانيين لمساعدته؛ فاستخرج من هناك مجموعة كبيرة من قطع الآثار وأرسلها إلى بريطانيا.

 

وكان مما عثر عليه في مصر 800 جمجمة للمصريين القدماء، فكّومها في كوخ وغلّفها؛ وعند نقلها إلى بريطانيا شك موظفو الجمارك فيما يحمله؛ فأخبرهم بأنه يحمل عظاما من أجل تسميد الأرض، فسُمح له بسفرها، حتى أنه كتب عن هذا الموقف قائلا: "عندما تعاملت مع الجمارك، وجدت مساومتهم سهلة باستخدام هذه التسمية"!

 

ولما علا شأن بدج واشتهرت حيلُه في جمع الآثار، قام بعض الأثريين بتحذير الأهالي منه ومن أساليبه الملتوية، لكن جاء هذا التحذير بنتيجة عكسية؛ فأصبح قبلة لتجار الآثار والمهربين؛ خاصة عندما أغدق المتحف البريطاني في العطاء مقابل جمع القطع النادرة؛ حتى أن فاقدي الضمير والباحثين عن الثروة – من المصريين وغيرهم – تسابقوا إلى التعاون مع المتحف فسارعوا في تسليمه التحف وتأجيل الدفع حتى عودة المندوب بالمال من بريطانيا، واستطاع بدج أن يعود إلى المتحف البريطاني حاملا معه 24 صندوقا مليئا بقطع الآثار النادرة، وحظى بالتكريم عام 1887 مكافأة له على نشاطه.

 

عاد بدج إلى مصر مرة أخرى؛ ولكن في هذه المرة وُضعت حوله رقابة شديدة؛ لكن ذلك لم يؤثر عليه؛ فقد كان متفننا في أساليب الإفلات من الرقابة، ومما يحكى في ذلك أنه اشترى من تاجر من أخميم بسوهاج قطعة آثار في حضور الرقابة ذاتها، حيث قام التاجر باستضافة رجال الرقابة وبدج معا على وليمة ثمينة وفي أثناء الحديث والسمر انفرد التاجر وبدج وأتما الصفقة!

 

وكان من أهم الآثار التي عثر عليها بدج في مصر؛ بردية "آني" المعروفة بـ"كتاب الموتى" حيث عثر عليها بإحدى مقابر البر الغربي بالأقصر، وهي بردية يبلغ طولها 23.6 متر، وعرضها 39 سم، فقام بتسجيل ما عليها بإتقان شديد، ثم قام بفكها بهدوء؛ واندهش مما بها لدرجة أنه كتب يقول: "لقد ذُهلت لروعة الصور البشرية والحيوانية المصورة وجمال ألوانها حتى بدت لي كأنها حية"، وبعد محاولات حثيثة – استخدم فيها كل الوسائل الملتوية من الكذب والتضليل والرشاوي – وصلت بردية آني وغيرها من البرديات النادرة إلى المتحف البريطاني، بعد شحنها ضمن حمولات حربية رسمية!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة