مهاتير محمد.. نعم الرجل أنت!

"إذا كان دونالد ترامب يمنع مواطني عدة دول مسلمة من دخول بلاده… فلم لا أقوم أنا بمنع دخول الإسرائيليين إلى ماليزيا!؟". بهذه الكلمات عبر رئيس وزراء الماليزي مهاتير محمد (محاضر محمد بالعربية) عن رفضه القاطع لمنح سمات دخول الى ماليزيا للرياضيين الإسرائيليين الذين يودون المشاركة في بطولة لعالم للسباحة البارالمبية والتي كان من المقرر ان تستضيفها بلاده في الفترة من 29 تموز/يوليو وحتى 4 آب/ أغسطس المقبلين.

 

لم يستجب الرجل لتهديدات اللجنة الدولية المنظمة للبطولة بسحب حق التنظيم من ماليزيا في حال إصرارها على منع دخول الرياضيين الإسرائيليين، فقال بوضوح: "الإسرائيليون قادمون من دولة إجرامية وغير مرحب بهم …. إن اردتم سحب حق تنظيم البطولة منا فلتفعلوا ذلك". نتيجة لهذا الموقف اتخذت بالفعل اللجنة الدولية المنظمة للبطولة العالمية قرارها بتجريد ماليزيا من حق الاستضافة. وبغض النظر عن مبررات قرار اللجنة، ما يهمنا في هذا المقام هو تحليل سياق الموقف الماليزي ومبرراته.

 

لو كان مهاتير محمد يريد الخضوع لكان المبرر موجودا. فمنح ماليزيا حق الاستضافة تم توقيعه مع الحكومة السابقة التي قبلت بوضوح بعدم استبعاد أي دولة مهما كانت لأسباب سياسية

يأتي موقف مهاتير محمد المتشدد هذا في فترة زمنية مفصلية. فالكثير من الدول العربية والإسلامية تتهافت اليوم سرا وعلانية على باب تل ابيب طلبا لودها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية. ومن اجل تخفيف حرجها امام شعوبها، تقوم بعض هذه الدول بالتستر بعباءة الرياضة للسماح للإسرائيليين بدخول أراضيها للمشاركة في البطولات العالمية التي تستضيفها. لذلك فقد بات من غير المستعجب ولا المستغرب اليوم ان ترى رياضيي "إسرائيل" يتقاطرون افرادا وجماعات على عدد من الدول العربية والإسلامية التي تدعي مقاطعة إسرائيل بذريعة ضغط اللجان الدولية المنظمة لهذه البطولات والتي تشترط "عدم التمييز" ضد لاعبي أي دولة لأسباب سياسية.  كادت هذه الحالة ان تأخذ مكانها وتتموضع تدريجيا كحالة طبيعية ومقبولة في الوعي العام العربي والإسلامي لولا سماعنا لهذه الصرخة المدوية الآتية من اقصى شرق الأرض: لن نتنازل…. لن نسمح بدخول الإسرائيليين تحت أي مسمى كان… إسرائيل دولة مخادعة ونحن لا نحب المخادعين". فما الذي دفع مهاتير محمد لإطلاق هذه الصرخة؟

 

استنادا للتوقيت والسياق العربي والإسلامي والدولي الذي تم اتخاذ قرار المقاطعة فيه، لا يمكننا القول بان ماليزيا تبتغي من وراء قرارها هذا تحقيق أي مصلحة سواء كانت سياسية أم اقتصادية لعدة أسباب: 

– فإسرائيل ليست دولة عادية كما يعلم الجميع، بل هي دولة يدعهما اباطرة المال والاقتصاد في عالمنا اليوم. لذلك فان الدول الباحثة عن تحقيق مصالح سياسية واقتصادية لا تفضل عادة استفزازها او اثارة حفيظتها، او انها على اقل تقدير تتجنب طريقها.

– إن مصلحة ماليزيا (وفقا للتعريف الغربي للمصلحة البحتة الخالية من أي اعتبار للقيم أو المبادئ) تتطلب الرضوخ للضغوط والقبول بدخول الإسرائيليين حتى لا تخسر الدولة استضافة البطولة وما يترتب على هذا من خسائر معتبرة في قطاعات الاقتصاد والسياحة.

– لو كان مهاتير محمد يريد الخضوع لكان المبرر موجودا. فمنح ماليزيا حق الاستضافة تم توقيعه مع الحكومة السابقة التي قبلت بوضوح بعدم استبعاد أي دولة مهما كانت لأسباب سياسية. هذا البند كان من الممكن أن يعطي للحكومة الحالية غطاء مقبولا ومنطقيا أمام العالم وحتى أمام الشعب الماليزي للرضوخ وإدخال الإسرائيليين. فليس هو من وقع على الاتفاق اساسا، لكن طالما أن الاتفاق قد تم توقيعه فلا بد من الالتزام به لتجنب التبعات السياسية المترتبة على الاخلال بمثل هذه الاتفاقيات ذات الطابع الدولي.

 

إلا أنه من الواضح أن مهاتير محمد، السياسي العتيد ورائد نهضة ماليزيا الذي نقلها من التخلف إلى القمة خلال رئاسته لوزرائها بين عامي 1981-2003، والذي عاد إلى السلطة مؤخرا عن عمر يناهز الواحد وتسعون عاما من أجل أن ينقذ البلاد من أسوء موجة فساد المت بها من بعده، لم يكن يبحث عن مبررات ليمارس الخضوع. هذا الرجل اتخذ قراره بقوة وحزم وعن وعي وتصميم ودون النظر إلى المصالح التي يمكن أن تأتي من وراء الإذعان لإدخال مواطني دولة يعتبرها هو إجرامية الى أراضيه. وقد أكد وزيره لشؤون الشباب والرياضة موقفه المشرف هذا بكلمات سيكتبها التاريخ بماء من ذهب فقال: "إذا كانت استضافة حدث رياضي دولي أهم من مساندة إخواننا وأخواتنا الفلسطينيين الذين يتعرضون للقتل والتشويه والتعذيب على يد نظام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فذلك يعني أن ماليزيا قد فقدت حقا بوصلتها الأخلاقية…. ".

 

تبدو القاعدة الأخلاقية التي على أساسها اتخذت ماليزيا قرارها هذا خارجة عن المألوف في عالمنا اليوم. فالأخلاق والمبادئ لم يعد لها مكان في صناعة السياسة الدولية التي باتت محكومة "بالمصالح الميتة"…. المصالح المادية البحتة التي لا روح فيها ولا قيم. فهل يعيد موقف ماليزيا عقارب الساعة إلى عصر كان فيه بقية من ضمير؟؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة