مدونة التغيير.. التغيير بين ثقافتين

تعرف الثقافة على أنها " طريقة المعيشة أو نمط الحياة لمجموعة أو مجموعات من البشر " أي كيف يأكلون ويشربون وكيف يعاملون ضيوفهم، كيف يتزوجون، وكيف يعبرون عن فرحتهم، وكيف يتعاملون مع أحزانهم، كيف يعبرون عن أراءهم وأفكارهم، تعاملاتهم التجارية والمالية وطرق كسب العيش وهلم جرا. هذه الثقافة وممارستها عبر التاريخ هي التي ترسم صورة المجتمعات والدول في عيون الآخرين كما في عيون الناشئة التي يتشربون هذه الثقافة ويرثونها جيلا بعد جيل، لذا فالثقافة هي وصف دقيق لمجتمع ما في مكان ما خلال زمن محدد.

 

يقولون على سبيل المثال إن العرب كانوا مشهورين بكرم الضيافة لدرجة أنه إذا حل ضيف بعربي فإنه لا يسأله عن إسمه وما الذي ألجأه اليه قبل أن يستضيفه ثلاثة أيام أو ثلاثة ليال ثم بعد ذلك يدخل معه في النقاش! هكذا كانت العرب فيما قبل.. فهل بقيت هذه الثقافة مجرد سؤال؟ ويقولون إن الياباني يتعامل مع الآخر بطريقة شديدة الإحترام فهو ينحني أمام ضيفه وهو يضم كفيه بطريقة فريدة، أما العرب فتفتح أحضانها لمن جاءها ضيفا حتى أنك لتشعر وكأنك مستقبلك يعرفك منذ عقود.

 

الغرب توافق على فكرة أن الشعب ينتدب من بين جموعه من يمثله كرأس للدولة، ثم ابتكر فكرة المجلس النيابي الذذي يقوم على متابعة ومراقبة أداء الحاكم

تختلف طريق تناول الطعام من بلد لآخر فالعرب (كانت) تأكل بكلتا يديها وتغترف الطعام من الإناء مباشرة، بينما الفرنسيون والإنجليز يأكلون بالشوكة والسكين ولا يزالون، أما في الصين فيأكلون بالعصي الخشبية وقد مثلت لهم مشكلة في التعامل مع الشوربة! كما تختلف العادات الاجتماعية والتي تشكل هي الأخرى جزء من ثقافة الشعوب من مجتمع إلى آخر، فعادات الزواج تختلف عند العرب عن مثيلاتها في المجتمعات الغربية. فالعرب محافظون بطبيعتهم أو هكذا كانوا، بينما المجتمعات الغربية وهذا في في الغالب تعتبر الصداقة والثحبة والمعاشرة خارج مطاق الزواج جزء من ثقافتها المعاصرة.

 

تقليد في كل شئ إلا السياسة

تعارفت القبائل العربية منذ القدم على فكرة وجود قائد أو زعيم وبغض النظر عن الطريقة التي وصل بها زعيم القبيلة إلى هذه المكانة فإن الجميع مدين له بالسمع والطاعة، وكذلك سارت أوربا وإن اختلف الشكل حيث كان الأمراء والكبراء والنبلاء ثم الملوك من بعدهم بالحكم والتحكم في كل شئ على الأرض التي يعيشون عليها من بشر وحجر وزرع ومصادر طبيعية، ولكن الفارق أن ثقافة الحكم في العالم العربي تجمدت بينما تحركت وتحررت ثقافة الحكم والسياسة في معظم بلدان الغرب، وشيئا فشيئا خفت يد الأمراء والنبلاء والملوك  وتبنت معظم هذه الإمارات والإقطاعيات التي تتحكم فيها عائلة تتوارث الحكم جيلا بعد جيل نظام حكم يشارك فيه الشعب بطريقة أو بأخرى وحتى الملكيات تحولت من حكم ملكي مطلق إلى ملكيات دستورية تملك ولا تحكم.

 

المهم أن الغرب توافق على فكرة أن الشعب ينتدب من بين جموعه من يمثله كرأس للدولة، ثم ابتكر فكرة المجلس النيابي الذذي يقوم على متابعة ومراقبة أداء الحاكم. ثم وبحكم التجربة الديمقراطية والتعلم من أخطائها لتصويب مسارها وجدت الشعوب الغربية أن اختيارات الشعب عبر الصناديق ليست الضمانة الأكيدة على حسن الإختيار لأن العملية الديمقراطية بما فيها الحملات الانتخابية قد تفرز عناصر غير جيدة لا تصلح لأداء الجور الرقابي فتوصل العالم إلى تعزيز الدور الرقابي والتشريعي ليس عن طريق الغاء الديمقراطية أو الانتخابات بل بمزيد من الانتخابات لاختيار مجلسين أحدهما للشيوخ وآخر للنواب ولكل طريقة في اختياره ووظيفة محددة ودور واضح في عملية الرقابة والتشريع، هذه ثقافة متجددة مع تجدد الحياة وتطور وسائل العيش والإتصال

 

تجمدت الثقافة السياسية في العالم العربي في الوقت الذي تحررت الثقافة الإجتماعية وباتت أكثر انفتاحا على ثقافة العالم الغربي واقتربت من عاداته وتقاليده من حيث الأكل والشرب والملبس والمظهر و نمط الحياة ، وقد يكمن السبب في  أن الغرب تخلص من طبقة رجال الدين الذين كانوا على في خندق واحد مع الامراء والنبلاء بينما في عالمنا استمر الوضع بل ازداد سوءا حين طوع  بعض رجال الدين النصوص ولووا عنقها لتناسب  حركة دوران رأس الحاكم بفعل نشوة السلطة أو تأثير الخمر بالرؤوس، ناهيك عن تأثير سياسة العصا والجزرة  أو سيف المعز وذهبه كما يقولون في المأثورات.

  

ثقافة المعارضة

تحمل المجتمعات العربية إرثا ثقافيا هائلا في التعامل بإحترام مع الكبير ومناشدته وعدم مطالبته، والهمس في أذنيه لا الجهر في مجلسه، وقد انعكست هذه الثقافة في التعامل مع الكبير على التعامل مع الحاكم باعتباره كبيرا للقوم أو للعائلة على حد تعبير الرئيس الراحل أنور السادات الذي ضاق ذرعا بانتقاد الناس له في أعقاب زيارته للقدس وأعتبر مجرد معارضته "قلة أدب" و "عيب" واستن لذلك قانون أسماه قانون العيب وذلك في محاولة لتذويب الفوارق بين كونه رئيسا يجب أن يسئل عما يفعل وكونه كبيرا للأسرة أو للعائلة، وهو بهذا يذيب الدولة ويحولها إلى أسرة يديرها رب الأسرة الذي يجب أن يتمتع بالاحترام.

 

إدارة القبيلة أو العائلة إذا انسحبت على إدارة الدول تتحول الأخيرة إلى عزبة أو مزرعة يملكها ويتحكم فيها من يملكها

لقد ضمرت الدولة وتقزمت على يد معظم حكام العرب الذين استخدموا جزء من ثقافة الديمقراطية للوصول إلى الحكم ثم استدعوا الموروث الاجتماعي المتجذر (كبير العائلة) في إدارة الدول واستنكروا على الشعوب استخدام حقها في المعارضة والإعراب عن الغضب من سوء الإدارة وانتشار الفساد والمحسوبية.

 

نجح الغرب وفشل الشرق

سر النجاح هو الإيمان بالتخصص، فإدارة الدول أمر مختلف تماما عن إدارة شئون القبيلة والعائلة، فالأولى تحتاج إلى رجال دولة لديهم ثقافة سياسية تؤهلهم لدخول معترك السياسة القائم على المنافسة وشرعية الإنجاز جنبا إلى جنب مع شرعية الصندوق بينما إدارة القبيلة تعتمد على عناصر فردية وسمات شخصية كانت تصلح للماضي مثل الجرأة والشجاعة والكرم وغيرها من الصفات الحميدة التي نتمنى أن تكون لدى ممارس السياسة أيضا ولكنها ليست العناصر الحاسمة أو الفاصلة حين تدق ساعة الاختيار.

 

إدارة القبيلة أو العائلة إذا انسحبت على إدارة الدول تتحول الأخيرة إلى عزبة أو مزرعة يملكها ويتحكم فيها من يملكها بينما الديمقراطية لا تقوم على ملكية الحاكم للشعوب بل انتخابه كأجير عندها ولمدة محددة وبشروط واضحة وقد تكون قاسية ولكن عليها التنفيذ والوفاء بالوعد إن قبل بها.

 

الثورة بين الفرض والنافل

احتاجت أوروبا والغرب عموما لقرون لتثبيت تجربتها وتطويرها وكان من بين الإجراءات التي اتخذتها الشعوب الغربية الثورة كخيار في مواجهة استبداد الحكام وعدم تعاونهم مع الشعوب في إدارة شئون البلاد وكان على رأس تلك الثورات الثورة الفرنسية.

  

اليوم وبفعل الثورة المعرفية التي تحدثت عنها في التدوينة السابقة تم اختصار مسافات كبيرة بين الثقافات والشعوب، لكن يبدو أن حكام العالم العربي لا يزالون مصرين على فكرة أنه لابد من إدارة الدول كإدارة الأسرة والقبيلة لأن الشعوب من وجهة نظرهم غير مؤهلة للشراكة معهم، وللأسف يشاطرهم الرأي بعض الحكومات العربية التي لا تزال تنظر إلى العالم العربي على أنه مجرد خيمة كبيرة بجوار بئر نفط عميق وشعب ترك أغنامه ليأكلها الذئب وراح يبجث عن شهوتي البطن والفرج.

 

لم يعد أمام الشعوب العربية بعد أن سدت في وجهها كل دروب التغيير التدريجي، وكل فرص الشراكة البسيطة والممكنة إلا طريق الثورة برغم كلفتها ولكنها وحدها كفيلة بأن تعيد الكل إلى نقطة البداية وهي أن الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بينهم إلا بالتقوى، والتقوى في الحكم من وجهة نظري المتواضعة هي حسن أداء الحاكم المختار من شعبه لوظيفته أو مهمته التي اختير من أجلها وإلا استحق غضب الله قبل غضب الشعوب.

 

وإذا كانت الثورة العربية قد بدأت شرارتها في نهاية 2010 وبلغت ذروتها في 2011 فإنها لا تزال كامنة ويبدو وكل المؤشرات تقول ذلك أنها كامنة ومستمرة فلا الحكام غيروا مواقفهم ولا يريدون حتى البدء في تغيير ثقافتهم السياسية ولا الشعوب مستعدة بعد التصحيات التي قدمتها أن تعود إلى مرحلة استجداء حريتها مرة أخرى، لقد تغيرت الظروف وجعلت من الثورة فرضا واجب العمل به وتحقيقه وليست نافلة يسحب القيام بها… والله أعلم



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة