لماذا كان جبران خليل جبران يكرهُ رجال الدين؟!

إنّ ما كان يذهبُ إليه جبران خليل جبران في تعامله مع رجال الدين هو اعتبارهم شركاء في الظلم والقهر إلى جانب الحكام والأغنياء، فهذا الحلف الثلاثي الذي شكّل وما يزال الحلقةَ الفاسدة في منظومة المجتمع، طالما كان جبران يهاجمه بأشدّ العبارات وأقدح الأوصاف، ورغم أن جبران بشخصيته المتقلّبة التي تارةً تنحرفُ فتبدو رافضة لكل الأعراف والشرائع السماوية، وتارة تلج محراب العفّة والعبادة وترتقي إلى مرتبة الأنبياء، إلا أن علاقته برجال الدين لم تكن يوماً محلَّ ثقة أو هدفاً للمدح، فهم في نظره كما وصفهم في عرائس المروج "الخاضعون لأصنام مطامِعهم، المحرّكون بالصلاة شفاهَهم وقلوبُهم جامدة كالصخور، والراكعون أمام المذابح ونفوسُهم متمردة على الله".

طبيعة جبران المنجرفة وراء الفكر العبثي أو الجنوني إن صحّ التعبير، الفكر الذي لا يؤمن بإلهٍ أو شريعةٍ بالمعنى المتعارف عليه، ولا يعترفُ بقدسيةِ أيّة مبادئ أو تعاليم، فهو يميل إلى التغيّر الدائم المتشبّع بأفكار الحرية والانعتاق من العبودية، وإذا قابلنا هذه الشخصية الثائرة لجبران مع المؤسسة الدينية المُنغلقة على نفسها والثابتة في أفكارها ومعتقداتها، فإن هذا التقابل غالباً ما يلفّه الرفض والنفور، مما يجعل التقريب بين الطرفين من باب المستحيلات، فالمؤسسة الدينية تظلّ عند جبران تلك التجربة التي تتقوقع على ماضيها، وترفض الانفتاح على التجديد المستمر، وهذا بالضبط ما كان يُفضّله جبران خليل جبران ويسعى إليه، ويبقى مبدأ الاختلاف الذي يُقدّسه جبران، أشبه بتمردٍ ضد محنةِ العبودية ورفضٍ لإملاءات المقدّس، وتحكّمه في حياة الناس ومصائِرهم، إذ هو بمثابة سيف مسلّط على أعناقهم لا يجلبُ لهم سوى مزيدٍ من العذاب والشقاء، ولما كانت المؤسسة الدينية في نظر جبران متمادية إلى حدٍّ بعيد في تكريس هيمنة المقدّس، وسطوته على العقول، واستكانته إلى التراث القديم، فمحاربته أولوية، ورفضه ضرورة إنسانية.

كانت نظرته إلى الدين عموما نظرة معقدة تسبح في الأفكار الفلسفية والتصورات الإنسانية وتطغى عليها رؤية جبران الخاصة، إلا أنه لا ينتقد الشريعة من مُنطلق أنها قانونُ الله في أرضه، ومنهاج رعيته، وإنما ينتقد استغلال رجال الدين للشريعة

لا يندرج السياسيون بمفردهم في خانة المتعطشين لملءِ خزائنهم من أموال الشعب، بل عُرفَ رجال الدين بذلك منذ القدم، كان البابا جوهان تيتزل يقول: بمجرّد أن ترمي الدرهم داخل هذا الصندوق الصغير ستتطهّر روحك من المعاصي، بل تجاوز الأمر إلى درجة بيعِ القساوسة لصكوكِ الغفران مقابل التجرّد من الذنوب والخطايا وتعليقهم للائحة الأسعارِ المحدّدة لثمن كل ذنبٍ على حدة، فتحوّلت الكنيسة إلى قطبٍ اقتصادي يُدرُّ أموالاً طائلة من جيوب الفقراء، بل وصارت الكنيسة مركزاً لممارسة البغاء والشذوذ والاستغلال الجنسي للأطفال، ولم تترك رذيلةً إلا وباشرها قساوستها وبابواتها دون رادع، إلى أن فضح أفاعيلهم مارثن لوثر في كتابه 95 أطروحة عام 1517 .

في قصة يوحنا المجنون على سبيل المثال، يُعرّي جبران سلطوية رهبان الدير وطريقة تعاملهم مع الراعي يوحنا حين سرحت عجولُه فدخلت مزرعتَهم، فاستوقفوه وحاسبوه دون رحمة ولا شفقةٍ، وطلبوا منه المال وأرغموه على بيع أرضه، لولا أن دفعت والدتُه قلادَتها لرئيس الدير حتى يعفو عنه، لينتفض يوحنا في وجوههم قائلا: "هل يبيع الفقير حقله منبت خبزه، ومورد حياته، ليُضيف ثمنه إلى خزائن الدير المفعمة بالفضة والذهب؟".

لعبت الأموال الطائلة التي استحوذ عليها رجال الدين دوراً رئيسياً في فسادهم وانحرافهم إلى الشرور، وبالتالي ضاعت رسالتهم النبيلة القائمة على تهذيب النفوس وتقويم البشرية، قال عنهم سكرتير البابا أن واحدا في الألف منهم هو الذي يواظب على أعباء مهمته، أما الباقي فينصرفون إلى خدمة مصالحهم الشخصية وتضخيم ثرواتهم المادية، فسادت حالة من الجهل والانحطاط الخلقي، لتتحول الكنيسة إلى ما يشبه سلطة متجبرة، شأنها شأن أي حكم دكتاتوري متجبّر.

وفي قصة "الشيطان" التي أبدع فيها جبران خليل جبران في تصوير العلاقة التي تربط الشيطان برجال الدين المُنتفعين من إغراءاته للبشرية، دار حوارٌ ثريٌّ بالعبر والحكم الجبرانية بين الشيطان والكاهن الخوري سمعان، حين رفض هذا الأخير تقديم يد المساعدة له وهو منطرح على الحصباء ونجيع الدم يتدفّق من جراحه : "أية وظيفة يسندها القوم لك إذا ألغيت وظيفة محاربة الشيطان بموت الشيطان؟ ألا تعلم وأنت اللاهوتي المدقق أن وجود الشيطان قد أوجد أعداءه الكهان؟ وأن تلك العداوة القديمة هي اليد الخفية التي تنقل الفضة والذهب من جيوب المؤمنين إلى جيوب الوعاظ والمرشدين؟ منذ خمسة وعشرين سنة وأنت تسير متجوّلا بين قرى هذا الجبل، لتحذر الناس من حبائلي، وتبعدهم عن مصائبي وهم يبتاعون مواعظك بأموالهم وغلة حقولهم".

هذا التاريخ الحقيقي لرجال الدين على مدى عقود طويلة، كان واضحَ المعالم أمام جبران خليل جبران وضوح الشمس، فما كان عليه إلا أن يُصوّب إليهم ألسنة النقد اللاذع كونهم استغلوا الدين لاستثمار الإنسان وجعله أداة للوصول إلى سلطانهم المادي والمعنوي، ويمكن القول إن هذا الموقف الصارم من جبران لم يخلع عنه قبّعةَ التدين والاعتقاد بالإله، وإن كان إلها يتميز ببعض الخصوصية، ولم يكن الدين في فكر جبران مجرداً ولا مطلقا، وإنما يُعنى أساسا بالباطن، ولا يمكن أن يكون الظاهر مقياساً لمدى مصداقية التديّن.

وإذا كانت نظرته إلى الدين عموما نظرة معقدة تسبح في الأفكار الفلسفية والتصورات الإنسانية وتطغى عليها رؤية جبران الخاصة، إلا أنه لا ينتقد الشريعة من مُنطلق أنها قانونُ الله في أرضه، ومنهاج رعيته، وإنما ينتقد استغلال رجال الدين للشريعة بهدف السيطرة على حقوق الضعفاء، والتحالف مع النظام الفاسد لتقسيم الغنيمة، فتحولت الشريعة إلى قدرٍ محتومٍ ينصاع الناس لها غصباً وبتكليفٍ من المؤسسة الدينية، دون حتى إمكانية طرح استفسارٍ أو اعتراضٍ أو شيءٍ من هذا القبيل، بيد أن الشريعة في نظر جبران قابلة للتغيير والتحديث : "إن الدين بسيط في حقيقته، وبعيد عن الغموض الذي يحيطه به رجال الدين"، وقال: "في قلبي كره لما يقدسه الناس، وحب لما يأبونه، ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة".

طالما كان غطاء الدين شمّاعة لخداع الساذجين، ويحصل ذلك في كل زمان ومكان، إلا أنه ترعرع في زماننا هذا مع بروز تيار الأحزاب السياسية التي ترفع لواء الدفاع عن المقدسات في وجه من يُسيئون إليها ويستهدفونها كما تزعم، وعندما نردد مقولة "لا تثق بالسياسي"، فعلينا أن نضيف إليها "لا تثق برجل الدين السياسي" أيا كانت مرجعيته، لأن الجمع بين متناقضين أمر مستحيل، فكيف تؤلف بين الدين الداعي إلى الطهر والنقاء، والسياسة الخبيثة المنطوية على المكر والخداع؟ والفصل بين الديني والسياسي في هذا المقام أمرٌ لا بد منه، على الأقل لإظهار حسن النوايا، فالسياسة ملاذ رجال الدين، مثلما أن الدين يبقى هو ملاذ السياسي المخادع في مجتمع جاهل تتحقق فيه كل المعجزات.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة