عباس كيارستمي.. رائد نهضة السينما الإيرانية

 غريق..

في اللحظات الأخيرة من حياته..

اهدى العالم بضع فقاعات

عباس كيارستمي

  

يُطلق النقاد و الأكاديميون وصف "الشاعرية" على السينما الايرانية الجديدة -أي سينما مابعد الثورة الإسلامية في إيران- خصوصا أفلام محسن مخمالبوف و عباس كيارستمي، وعادة ما يتم وضع مقارنة بين هذه السينما والشعر من حيت استعمالهما للمجاز والاستعارة.

 

وقد اشتهر عباس كيارستمي بتناصّ عناوين أفلامه مع الشعر، كفيلمه "أين بيت الصديق؟" الذي اقتُبس من قصيدة للشاعر سهراب سبهري، و فيلم "سوف تحملنا الرياح" وهو اقتباس من سطر للشاعرة الإيرانية فروغ فزخراد، كما أن كيارستمي بنفسه شاعر صدرت له عدة دواوين كديوان المشي في صحبة الريح و ديوان ريح و أوراق.

  

يرفض عباس الإلتزام في أفلامه بالنمط الكلاسيكي للإخراج السينمائي المبني على استيعاب المتلقي للقصة من اللحظات الأولى للفيلم لكي لا يخسره المخرج

واستطاع عباس كيارستمي تجسيد أفلامه في قالب شاعري عبر التماس بين القيم البلاغية لشعره ولأفلامه كالايحاء و الإيجاز وكذلك البنى السردية والايقاعية التي بنى عليها افلامه فنجح بذلك في تقصي ملامح الشعر وسط السينما، عباس مغرم بالشعر وبالحياة، لذلك يقال عن افلامه انها بيوت شعرية، فقال عنه ادرين مارتن: " كيارستمي اكثر المخرجين الذين ربطوا الحياة بالسينما، إنه شاعر السينما، ويُعتبر الإجابة الأكثر إقناعا على خطأ التصورات الغريبة للحياة".

  

الواقع أهم من السينما

"إن الزهرة حين تنمو في أرض بعينها فإنها تتشرب بروح تلك الأرض، فإذا انتُزعت و وُضعت في مكان آخر فإنها قد تستطيع أن تنمو، لكن لن يكون لها أبدا نفس العطر" بهذا الكلام برر كيارستمي  اختياره البقاء في إيران في الوقت الذي هاجر فيه جميع المبدعين من بلاد فارس، فتميزت أفلامه بالمحلية ونجح في الارتقاء بجذوره للعالمية، سلط كيارستمي الضوء على الهامش والحياة العادية إيمانا منه أن الواقع أهم من السينما، والتقطت كاميرته أقل الأحداث بساطة في الحياة العادية ليخلق منها أعمالا فنية بارزة تمحورت حول الحب والموت والجمال.

 

وكثيرا ما تعرضت أفلامه للانتقاد فوصفها ذات مرة الناقد الشهير روجر إيبرت بأنها مملة، فرد عليه كيارستمي بأن إيقاع الحياة بطيء وهو لا يريد صنع فيلم بثيمة هوليودية لكي ينال إعجاب النقاد، فكيارستمي كرسام رسم تفاحة وآخر همه أن يعرف إن كانت تفاحته المرسومة حلوة المذاق أو حامضة، ولايؤمن عباس بالسينما التي تعطي نسخة واحدة من الواقع، فهو يهتم بتعبيرات المشاهدين وتأويلاتهم كما كان قد صرح  : "لقد رأيت أن بعض من شاهدوا أفلامي يملكون من الخيال أكثر مما أملك.. أحب أن أترك التفسير مفتوحا للمشاهد كأنه مالك الفيلم لا أنا"

 

ويرفض عباس الإلتزام في أفلامه بالنمط الكلاسيكي للإخراج السينمائي المبني على استيعاب المتلقي للقصة من اللحظات الأولى للفيلم لكي لا يخسره المخرج ويلفت انتباهه له، فأفلام عباس تتميز بكون القصة مبهمة وفي بعض الأحيان لا قصة فيها أصلا، لكيارستمي قدرة رهيبة على صنع سينما عظيمة من حكايات في غاية البساطة، سينما عظيمة لأنها تحتفي بالبساطة ويقول: "أنا دائما كمشاهد لا أريد أن أعرف كل شيء من الدقائق العشر الأولى.. أريد أن أتتبع الحكاية مثل قصة شهرزاد حتى أصل في النهاية أو لا أصل"

 

شعر خارج القصيدة.. الشاشة عوض الأوراق

يسود الاعتقاد بأن الشعر محصور في القصيدة فقط رغم وجود العديد من القصائد التي لا شاعرية فيها ولاجمال ،وفي المقابل نكتشف طاقة شعرية كبيرة في نصوص نثرية و اعمال موسيقية وسينمائية وكما قال نرفال : " الشعر يهرب من القصيدة ويستطيع أن يُوجد بدونها".

 

جسد عباس كيارستمي الطرق الشعرية في السرد في أفلامه عبر مبدأ "التقليلية" الذي يتمحور حول التقشف الذكي عبر استعمال الحد الأدنى من الوسائل السينمائية في رسم مادته السينمائية

الشعر إذن لايكتسي طابعا محددا أو له تعريف دقيق يقصي التعاريف الأخرى ،الشعر لا لغة له ولا قالب وجوهره هو عدم القدرة على تحديده وقياسه، يقول أمين صالح في كتابه "عباس كيارستمي سينما  مطرزة بالبراءة" الشعر رؤية شاملة للحياة والوجود، موقف من العالم والوضع البشري، تعبير عن التجربة الحياتية والروحية، الشعر يمدد تخومه وراء حدود الاتصال اللفظي ليشمل أشكالا وطرائق من التعبير الفني.

 

وبالنسبة للسينما فهي تملك السلطة الداخلية المتمركزة داخل الصورة وتعبر للجمهور في شكل مشاعر، وعبّر الشاعر أبولينير عن وجهة نظره حول السينما قائلا: اليوم هناك فن بوسعه أن يلد نوعا من الوجدان الملحمي من خلال عشق الشعراء للغنائية، وعبر الحقيقة الدرامية للأوضاع والحالات، ذلك هو فن السينما. الشاعر الملحمي سوف يُعبر عن نفسه بواسطة السينما".

 

ويجسد عباس كيارستمي الطرق الشعرية في السرد في أفلامه عبر  مبدأ "التقليلية" الذي يتمحور حول التقشف الذكي عبر استعمال الحد الأدنى من الوسائل السينمائية في رسم مادته السينمائية، وذلك كاسلوب كتابة الشعر، كلما كانت كلمات الأبيات كثيرة إلا وفقدت القصيدة عمقها وجانبت ملامسة المجاز، الاقتصاد في الكلمات يعطي للقصيدة جمالية ألذ، يقول عباس: "ينبغي للفن السابع أن يكون أكثر اكتمالا بما أنه يضم بداخله الفنون كلها، لكنه أصبح مجرد وسيط لرواية القصص بدلا من أن يكون الفن الذي ينبغي أن يكونه حقا، أشعر أن السينما الشعرية هي التي سوف تدوم لزمن أطول، لا السينما التي تروي قصصا فحسب"

 

انطفاء شاعر الكاميرا

في سنة 2016 وبالضبط يوم 4 يوليوز استيقظ الوسط الفني على خبر رحيل عباس كيارستمي عن سن يناهز76 عاما بعد معاناة مع سرطان الجهاز الهضمي، لقد نجح كيارستمي المولود في طهران عام 1940 في كسب احترام عالم السينما وصنع لنفسه اسلوبا خاصا مهد للسينما الإيرانية أن تلامس السماء بعد أن تعرضت لمقصلة الرقابة في الأرض. ترك كيارستمي إرثا من 40 فيلما  وتوج بعدة جوائز فنية أبرزها السعفة الذهبية للكان عن فيلمه طعم الكرز كما ترأس لجنة مهرجان الكان في مسابقة الأفلام القصيرة.

 

عباس الذي قال عنه المخرج الفرنسي الكبير جان لوك غودار : "السينما تبدأ بدي دبليو غريفيث وتنتهي عند عباس كيارستمي"  استطاع قيد حياته أن يقدم توثيقا شعريا خالصا في أفلامه ويخرج القصيدة من الأوراق البيضاء نحو الشاشة.

 

في مكتبتي بالمنزل،الكتب التي تضم القصص والروايات تبدو جديدة تماما، لم أقرأها إلا مرة واحدة ثم وضعتها جانبا،بينما كتب الشعر تتساقط أوراقها في كل ركن لأنني قرأتها مرارا وتكرارا

-عباس كيارستمي



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة