شباب العالم العربي المغضوب عليهم‎

تعتبر فترة الشباب مرحلة مهمة في حياتنا تتسم بالشغف والأمل والحلم، كما يمكن أن تتميز بالقهر والضياع. تختلف طريقة عيشنا في هذه المرحلة من شخص إلى آخر، من بلد لأخر باختلاف الجغرافيا والمحيط الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي. فلا أحد يمكن أن ينكر تأثير المحيط على حياة الإنسان. فالحياة في العالم العربي، ليست الحياة في دول العالم المتقدمة.

 

عالم لا يهتم بالبيئة الاجتماعية لمواطنه، فالفرق بيننا وبين الدول المتقدمة، قبل أن يكون فرق من الناحية الاقتصادية والعلمية، فهو فرق في إعطاء الأولوية للمواطن والشباب، فرق في احترام الإنسان وإعطائه المكانة التي يستحقها، فرق في رد الاعتبار للمظلوم ومعاقبة الظالم، فرق في الاهتمام ببيئة الإنسان منذ ولادته، الاهتمام بتعليمه وثقافته وصحته، وبناء إنسان ناجح. هذا الاهتمام والاحترام للإنسان هو الذي يبني الشعوب، يبني الاقتصاد ويخلق بيئة اجتماعية سليمة. فالوطن يجب أن يكون أم لا تستطيع أن تأكل وابنها جائع.

 

في بلدان العالم العربي يواجه الشباب مجموعة من الإكراهات نتيجة الأوضاع المزرية على جميع المستويات في غياب المواكبة والاهتمام بالتنمية الاجتماعية. يتخبط معظم الشباب في وحل البطالة والفقر، نتيجة تدهور قطاع التعليم. والهوة بين ما تنتجه الجامعات ومتطلبات السوق الوطنية والعالمية. باستثناء بعض المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود التي تظل حكرا على طبقة معينة، لكن الفئة الشاسعة المغضوب عليها تجد نفسها تائهة بدون مرشد ولا موجه. هنا نستحضر دور سياسة الدولة في معالجة هذا الإشكال وطرح الحلول، هذا ما ينقصنا في دول العالم العربي.

 

الفرق بيننا وبين الدول المتقدمة، قبل أن يكون فرق من الناحية الاقتصادية والعلمية، فهو فرق في إعطاء الأولوية للمواطن والشباب، فرق في احترام الإنسان وإعطائه المكانة التي يستحقها

صديقي المغضوب عليه بعد حصوله على شهادة البكالوريا، شاءت الأقدار أن يلتحق بإحدى المؤسسات التكوينية نظرا لعدم تواجد الجامعة في مدينتنا لم تسمح له الظروف المادية بالانتقال إلى مدينة أخرى لمواصلة مشواره الدراسي. بعد سنتين من التكوين والمعاناة حصل على دبلوم… لحظة فرح وسرور بهذه الشهادة لم تدم طويلا. لتنطلق بعد ذلك رحلة البحث عن العمل، رحلة بعد أن مرت الأن أربع سنوات يصفها بالرحلة نحو المجهول، سقطت فيها أحلام يافعة، انطفأت فيها شمعة الأمل، انكسرت الطموحات أمام صديقي الشاب العربي العجوز فأصبحت كالزجاج المكسور يمشي عليه بأقدام حافية وسط جمهور من المجتمع ينظر إليه نظرة دونية فيصبح إحساس صديقي المرهف كمن يتجه نحو مقصلة الإعدام.

 

مجتمع لا يرحم نفسه من النظرة الدونية، لا يحب ان يشجع أخاه ففي النهاية هذه الفئة جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، نجاحها من نجاحه وفشلها من فشله. لكن طبيعة الإنسان العربي يحب أن يلدغ أخاه، يبحث له عن سبب لتحطيمه بكلمات كالرصاص، كلمات على شكل انتقاد هدام يكسر الخاطر.

 

صديقي بعد رحلة طويلة، حصل على وظيفة متواضعة، بعد سنوات من الجهد والمعاناة، أراد أن يستقر ويبني أسرة، فتزوج طمعا في العيش بطريقة سليمة في بيئة غير سليمة أصلا. ليكتشف بعد مرور تسعة أشهر من حمل زوجته أن طفله الأول لم يجد من يرحب به سوى الشارع، على أبواب مستشفى لا يتوفر على أبسط التجهيزات الطبية، شاءت أقدار الجغرافيا أن يولد هذا الطفل بهذه الطريقة الغير الإنسانية.

 

لكن رغم كل الضربات، رغم كل الخيبات، استقبل صديقي طفله الذي حصل على شهادة الميلاد من داخل المستشفى رغم ولادته بأبوابها، استقبله بفرحة المولود وحزن المفقود، ترعرع هذا الطفل في أسرة متواضعة تحاول جاهدة توفير بيئة سليمة لطفلها، مرت ست سنوات، التحق الطفل بمدرسة عمومية، ليس حبا لكن لعدم توفر الإمكانيات، وارتفاع تكلفة التعليم الخصوصي لتبدأ الرحلة من جديد، رحلة عاشها الأب والابن معا. نعم من الصعب تغيير مصير الأجيال في بيئة غير سليمة لا تتغير.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة