الميكروباص.. متى نهزم الديكتاتور الصغير؟

صَوتُ مِذياعٍ صاخِبٍ يُزلزلُ الرأس، كأنَّه موتٌ أسود، لا تخرج أصواته إلا مشوهةً كأنَّها لا تعرفُ للمعنى سبيل، إنها المهرجانات الشعبية الشوهاء، التي طالما أفسدت الذوق، وغيَّبت الجمال في ثنايا القُبحِ والعفن، ودخانٌ مُتسلِل، يشق طريقه إلى أنفك بكل وقاحة؛ ليخترق جسدك غصبًا، كأنَّه الأكسجين، لحظات هي حتى تنتفض معدتك ورئتاك ثورة على هذا الدخيل الفاسد، وألفاظ حادة، تتوارى منها الأسماع، تخترق أذنيك عنوةً، دون سابق إنذار، كأنَّها قدر نافذ، وحركات تموج بها السيارة يمينًا ويسارًا، تشعر معها وكأنَّك تفاحة تقطع طريقها في الخلاط؛ لتصبح عصيرًا، كل ذلك مصدره شخص واحد، يجلس في الأمام ويقود السيارة، إنه السائق، أو الديكتاتور الصغير.

المواصلات العامة لعنة يومية، تنزل بكل من لا يملك سيارة خاصة، ويتجه إلى عمله في القاهرة، وكيف السبيل إلى تفاديها؟ والوضع من ضيق إلى أضيق، والاقتصاد غارقٌ، والمشروعات القومية الوهمية في كل مكان، وبطون المسؤولين الفاسدة لا يقدر على ملئها إلا الحجارة؛ فالمصري في كدٍ وتعب، يبحث عن رغيف العيش ليل نهار؛ ذلك أن الأسعار ترتفع كل شهر بسرعة الصاروخ، وتقتطع من جسد المسكين، يومًا بعد يوم، حتى لم يعد في قدرته ما يقدمه، فارتفع ثمن كل شيءٍ، وهبطت قيمته، ولم يعد له وزن، المواصلات مهلكة نفسية، وتهلكة فورية، يذهب إليها الإنسان على مضضٍ كل صباح، ليواجه مصيرًا قاتمًا، محفوفًا بالغموض والمجهول، المواصلات سجون متحركة في الشارع، لا قيد فيها ولا قضبان، كراسيها مضنية، لا تشعر عليها بالراحة أبدًا، نوافذها خربة، لا تحمي من برد الشتاء، ولا تمنع من حرارة الصيف.

هزيمة الديكتاتور الكبير ليس لها إلا سبيل واحد كالدواء الفريد الذي يحارب داءً فتاكًا، ينزل بالجسد فما يغادره إلا هامدًا، هو الرفض والإصرار؛ ذلك أن التاريخ يعلمنا أنَّ سلاح أي شعب، في وجه ديكتاتوره أو محتليه، هو الرفض الدائم

ويزيد هذا السوء كله سوء أكبر، لا مفر منه، ولا سبيل إلا غيره، إنه السائق، هذا الديكتاتور الصغير، الذي يتخيل واهمًا أنه أكثر الناس فهمًا للأمور، وأسرعهم بديهة، وأفصحهم لسانًا، وأنبغهم عقلًا، لكنَّه النقيض تمامًا؛ إذ هو ضيق الفكر، مشطور العقل، ليس له بالذكاء صلة من بعيدٍ أو من قريب، لا يملك إلا لسانًا سليطًا، وحنجرة مدوية، لا يخرج الصوت منها إلا كما يخرج للأفق دوي الانفجار، عبثًا يأمر وينهي، يزجر ويُعنِّف، يغضب ويعاقب، يُعقِب على أي شيء، ولا يسمح لأحد أن يعقب على رأيه، به لوثة، تجعله يتظاهر بالصمم حينًا، وبالبكم أحايين أخرى؛ فلا يرد إلا عندما يستهويه الكلام، ولا ينصت إلا لمن يهلل له، ويؤمن على ما يقول؛ ذلك أنه يعتبرك غير خليق بالسداد، وحسن الرأي، فكيف يلتفت إليك بسهولة أو يعيرك نظرة، وهو صاحب السلطة الأكبر في السيارة، وبين يديه مفاتيحها؟

غير أنَّه لا يقنع بذلك فحسب، بل يزيد على ذلك أنَّه، يقف إلى جوار الباب الأمامي، المجاور لمقعده، كالثعلب المكَّار، يتلهف لملاقاة سيدة أو شابة، ليعرض عليها الجلوس إلى جواره، يتفوه بها بكل خسة وانعدام للرجولة، ولا يسوؤه أن ترفض الواحدة منهن عرضه، في أنفٍ واشمئزاز؛ فيستمر في تقديم عرضه الجذاب، فإذا لم يجد مفرًا من مجالسة رجل، فهي الخسارة، وقد يغضب، ويرفع صوته على شابة مسكينة، لأنها أوقفته في المحطة التالية لمن نزل قبلها، كأن الراكب مسكين يذهب إليه يستعطيه، فيعطف عليه، لا كأنها سيارة أجرة، تدفع له فيها قبل وصولك، أي ذل هذا، وأي هوان ذلك؟

المُحزِن أنَّ السيارة لا تخلو من مهللين، وجبناء، يصطفون في صفه -صف الظلم والفساد- ويعطونه الفرصة ليظلم كل من وقف في وجه فساده وجوره، وفي طريق غطرسته، وغروره، وقال: "لا" لا لشيء إلا لأنه يريد أن يصل سريعًا، إنَّهم أنصار ذلك المنطق الخرب، أن تصل سريعًا مذلولًا، خيرٌ من أن تسير الطريق مرفوع الرأس، مكرمًا، وتصل متأخرًا، أولئك هم ديدن الظلم، والفساد في كل عصر، عبيد الطرق المختصرة، التي لا تعرف للكرامة، والأمانة شيئًا، وأولئك أيضًا هم من يصنع الديكتاتور، فما أضيق صحبتهم!

ولكني كلما وقفت على هذه الظاهرة، متأملًا، ممعِنًا النظر، أدركت حقيقة لا غبار عليها؛ ذلك أن السيارة رغم ضيقها ليست إلا صورة مصغرة لمجتمعنا المصري، الذي رضيَّ بالديكتاتور الكبير، من يسلبنا حقوقنا كل يوم باسم الوطنية، والشعارات المصطنعة، ويدنينا من الموت خطزة تلو خطوة؛ فالدخان المُتسلِل إلينا غصبًا من سجائر السائق، ليس إلا انعكاسًا للظلم الذي نتجرعه في المعيشة والصحة والتعليم، والأصوات الصاخبة التي تزلزل رؤوسنا، كأنها الموت ليست إلا سوط الديكتاتور، وعصاه التي تكبل آراءنا وتخرس حناجرنا، والنوافذ الخربة والكراسي المضنية، ليست إلا صورة للفساد الذي يكسو كل شبر في هذا الوطن، وهؤلاء الذين يهللون للسائق في كل حركة وفعل ليسوا إلا المنتفعين، حاشية كل ديكتاتور، من يأكلون في بطونهم حقوقنا في كل عصر.

إن هزيمة الديكتاتور الصغير لن تتحقق إلا بهزيمة الديكتاتور الأكبر الذي نعلمه جميعًا، فأي شعب يقبل بالذل، والفساد، يعِش أبد الدهر بين ثنايا الهوان، وضياع الكرامة، وسرقة الحقوق، وذل المرض، وضنك الفقر، وهزيمة الديكتاتور الكبير ليس لها إلا سبيل واحد كالدواء الفريد الذي يحارب داءً فتاكًا، ينزل بالجسد فما يغادره إلا هامدًا، هو الرفض والإصرار؛ ذلك أن التاريخ يعلمنا أنَّ سلاح أي شعب، في وجه ديكتاتوره أو محتليه، هو الرفض الدائم، الرفض الذي لا يعود خطوة إلى الوراء مهما كانت التنازلات الثانوية المقدمة، والإصرار على هذا الرفض، وتوابعه، هو لب النجاح، فهل يقوى الشعب المصري على إعلان رفضه وإصراره مرة أخرى؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة