شعار قسم مدونات

كيف نظر جلبير الأشقر وعزمي بشارة لمفهوم الثورة؟

blogs عزمي

تثير كلمة (الثورة) دائمًا الجدل؛ سواء حول معناها في تراث اللغة العربية، وهل هي نفس المعنى المقصود في التراث الغربي أم لا؟ (1) ولذلك تشهد ذكرى الثورة المصرية خاصّةً جدالًا حول ماهية الثورة، ومتى يمكن توصيف أي تحرُّك سياسيّ أنّه ثوريّ؟ ولذا، هناك سؤال يطرح نفسه فارضًا علينا الإجابة عليه؛ مرتبط بيوم (23 يوليو 1952) باعتبارها حدثًا ثوريًّا مهمًّا في تاريخ الجمهورية المصرية، والذي نشأ عنه تكوين الجمهورية الأول؛ هل كان التحرُّك حينئذ ثورة شعبية ضد الملك؟ أم انقلاب عسكريّ خالص؟ وبالطبع مقارنتها بثورة (25 يناير 2011) والتي تعتبر الحدث الأهم في القرن الحالي، والتي وضعت خطًّا ولو وهميًّا لنشأة الجمهورية الثانية في مصر. وللحصول على إجابة ما، يمكننا أن نقوم بعمل مقارنة ما بين رؤية اثنين من أبرز المفكّرين العرب الكبار؛ الأول (جلبير الأشقر) والثاني (عزمي بشارة).

يقول جلبير الأشقر، الماركسيّ المميّز، في كتابه (الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية) الصادر عن دار الساقي (2013)، وهو كتاب مهم للغاية؛ ليس فقط لاعتماده على الأرقام والاحصائيات في تحليله، وإنّما لجودته وكم الأفكار التي يمكن استخراجها منه، سواء اتّفقت مع رؤيته وتحليله أم لا. ومن وجهة نظري، أرى أنّه كان لديه إجابة مهمة لهذه الجزئية؛ حيث ينطلق من رؤية ماركسية بشكل ما لمفهوم (الثورة)، فكان في كتابه واضحًا جدًّا في تعريفه لمفهوم الثورة، فالثورة عنده: كل حركة شعبية أو تحرُّك سياسيّ بشكلٍ عام يقوم بإحداث تغيُّر جذري في بنية المجتمع؛ سياسيًا واجتماعيًا. وبالتالي، هل يمكن إطلاق لفظ ثورة على انقلاب الضباط الأحرار على الملك في يوليو 1952؟ أم لا؟ 

جلبير يستند للأسس الماركسية والتي يمكن القبول بها وبتعريفها للثورة، أو رفضها باعتبارها رؤية راديكالية وأن زمن الثورات الكبرى قد انتهى. أما بشارة وباستناده لرؤية أرندت المعتدلة بالنسبة لي؛ فيمكن قبول رؤيته في حدود أن التغيُّر هو المطلب الأساسي للثورة

بدايةً؛ فمن المعروف أن لفظ "انقلاب" يطلق في الوسط السياسي على أي تحرُّك يقوم بيه فصيل معيّن من الجيش باستخدام القوة والسلاح، كتوصيف للتحرُّك ليس أكثر.. ولكن، هل يمكننا قول إن أحداث (23 يوليو) ثورة؟ فالإجابة نعم. من وجهة نظر (جلبير الأشقر). يرى جلبير أنَّ ما أنتجته أحداث وتطورات وتغيُّرات ما بعد يوليو هي تغيُّرات ثورية حقيقية؛ أنتجت تغيُّرًا كبيرًا في بنية المجتمع المصري؛ حيث قام نظام يوليو بتغيير النظام الحاكم، وقام بإلغاء الملكية والقضاء على أسطورة العائلة الحاكمة، وإعلان الجمهورية المصرية، والذي يعتبر تغيُّرًا سياسيًّا جذريًا حقيقةً.. ورغم أن المنتج كان نظامًا ديكتاتوريًا عسكريًا. ثم قام النظام بتأميم الممتلكات الأجنبية، والقضاء على الإقطاع وضرب الطبقات العليا في مقتل بالاستيلاء على أراضيهم ومصانعهم واعطائها للفقراء والعمّال والفلاحين المصريين، بالإضافة للمصانع والتغيُّرات العميقة اللي أنتجت طبقات متوسطة ودخول عدد كبير من أولاد الأسر الفقيرة قطاعات مهمة في دولاب الدولة وكيانها الذي كان محرَّمًا على أغلبهم. 

إذن، هل يمكن بهذه النتائج والتغيُّرات إطلاق لفظ "ثورة" أو "ثوريّ" على تحرُّك الجيش في يوليو؟ فيرى جلبير نعم. يمكن إطلاق لفظ ثورة على أحداث (23 يوليو). وعلى نفس المسطرة من هذه الرؤية، هل يمكن إطلاق لفظ ’ثورة‘ أو ’ثوريّ‘ على تحرُّك الشعب في (25 يناير 2011)؟ فيرى الأشقر إنه لا؛ نظرًا لأنّه وحتى لحظة كتابة هذه السطور -سواء في 2013 عام كتابته للكتاب، أو في 2019 عام كتابتي للمقال- لم تنتج انتفاضة يناير أي تغيير اجتماعيّ كبير يقلب بنية المجتمع، أو ينتج شكلًا مختلفًا للطبقات توزيعًا للثروة، يختلف عمّا كان عليه الوضع قبل الثورة وفترة حكم مبارك. وأنّه كل ما قامت به انتفاضة بناير هو عزل رأس النظام وحل البرلمان، ولم تشكِّل أي تغيُّر اجتماعي كبير أو ملحوظ، أو أي فعل يمكن بناءً عليه إطلاق لفظ ثورة على (25 يناير) وبالتالي فهو يراها انتفاضة شعبية قوية ومختلفة؛ ينقصها التغيير الجذريّ في البنية المجتمعية ليقال عنها ثورة. 

أما المفكّر العربي الأبرز (عزمي بشارة) فكان له رأيٌ مختلف في جزئية ثورة 25 يناير تحديدًا؛ فقال بشارة في كتابه (الثورة والقابلية للثورة)، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2012، وهو كتاب مهم للغاية الاطلاع عليه، يرى أنّه أي تحرُّك أو انتفاضة شعبية ينتج عنها انفتاح ثقافي ووعي شعبي، أو كما قال (علي شريعتي) في كتابه المهم (بناء الذات الثورية) أن الثورة الناجحة هي ما ينتج عنها ذكاء احتجاجي ووعي لدى الشعب. 

وبالتالي فـبشارة يرى أنّه لا مانع من إطلاق لفظ ’ثورة‘ على انتفاضة يناير الشعبية؛ ولا يخالف هذا المعايير المتعارف عليها سياسيًّا، ويبني بشارة كلامه ورؤيته في الكتاب نظريات المفكِّرة البارزة (حنّة أرندت) وكتابها (في الثورة)؛ وذلك لأن ما نتج من وعي جمعي لدى الشعب بحقوقه، والثقافة السياسية التي زادت بشكل ملحوظ عند الناس، وزيادة الاهتمام بالشأن السياسي والاقتصادي والثقافي، يعتبر هذا نتيجةً مهمة للغاية، وأنّه سببٌ كافٍ لإطلاق لفظ ’ثورة‘ على تحرُّك يناير؛ نظرًا للتغيُّر الذي نتج، والوعي والثقافة الجديدة التي تكوِّنت بعد الثورة.

أخيرًا، يتضح لي أن لرأي كل منهم وجاهته؛ فجلبير يستند للأسس الماركسية والتي يمكن القبول بها وبتعريفها للثورة، أو رفضها باعتبارها رؤية راديكالية وأن زمن الثورات الكبرى قد انتهى. أما بشارة وباستناده لرؤية أرندت المعتدلة بالنسبة لي؛ فيمكن قبول رؤيته في حدود أن التغيُّر هو المطلب الأساسي للثورة، وأن الانفتاح والتغيُّر لدى الشعوب في طرح القضايا والأزمات يعتبر مؤشرًا مهمًا على نجاح التحرُّك والذي يمكن مع الوقت والعمل أن ينتج عنه نظامًا سياسيًّا ديمقراطيًا، أو يمكن رفضها باعتبارها رؤية رومانسية للثورة والتي يمكن ألا تؤتي أي ثمار نافع أو أن يفشل الشعب ونخبته في التحول للنظام السياسي المنشود. وبين هذا وذاك، وبين نظريات أخرى ومساهمات عربية عديدة، أين ترى نفسك؟ 

المصادر:
(1) الفصل الأول، كتاب في الثورة والقابلية للثورة، عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
– الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية، جلبير الأشقر، دار الساقي، 2013. 
– الثورة والقابلية للثورة، عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
– بناء الذات الثورية، علي شريعتي، دار الأمير، 2007.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.